ثم قال تعالى:"أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله".
ثم القصة عن عدوهم حتى انتهى إلى ذكر حنين وما كان فيه وتوليهم عن عدوهم وما أنزل الله تعالى من نصره بعد تخاذلهم ثم قال تعالى:"إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة"وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الأسواق فلتهلكن التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها من المرافق فقال الله عز وجل:"وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله": أي من وجه غير ذلك"إن شاء إن الله عليم حكيم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"أي ففي هذا عوض مما تخوفتم من قطع الأسواق فعوضهم الله بما قطع عنهم بأمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية.
ثم ذكر أهل الكتابين بما فيهم من الشر والفرية عليه حتى انتهى إلى قوله تعالى:"إن كثير من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم".
ثم ذكر النسيء وما كانت العرب أحدثت فيه والنسيء ما كان يحل مما حرم الله تعالى من الشهور ويحرم مما أحل الله منها فقال:"إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم": أي لا تجعلوا حرامها حلالًا ولا حلالها حرامًا: أي كما فعل أهل الشرك"إنما النسيء"الذي كانوا يصنعون"زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين".
ثم ذكر تبوك وما كان فيها من تثاقل المسلمين عنها وما أعظموا من غزو الروم حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهادهم ونفاق من نافق من المنافقين حين دعوا إلى ما دعوا إليه من الجهاد ثم ما نعى عليهم من إحداثهم في الإسلام فقال تعالى:"يا أيها الذين أمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض"ثم القصة إلى قوله تعالى"يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم"إلى قوله تعالى:"إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار".
ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكر أهل النفاق:"لو كان عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون"أي إنهم يستطيعون"عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين"؟إلى قوله"لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم".
قال ابن هشام: أوضعوا خلالكم: ساروا بين أضعافكم فالإيضاع: ضرب من السير أسرع من المشي قال الأجدع بن مالك الهمداني:
يصطادك الوحد المدل بشأوه ... بشريج بين الشد والإيضاع
وهذا البيت في قصيدة له.
قال ابن إسحاق: وكان الذين استأذنوه من ذوي الشرف فيما بلغني منهم: عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس وكانوا أشرافًا في قومهم فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم فقال تعالى:"وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين لقد ابتغوا الفتنة من قبل": أي من قبل أن يستأذنوك"وقلبوا لك الأمور": أي ليخذلوا عنك أصحابك ويردوا عليك أمرك"حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا"وكان الذي قال ذلك فيما سمي لنا الجد بن قيس أخو بني سلمة حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهاد الروم ثم كانت القصة إلى قوله تعالى:"لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلًا لولوا إليه وهم يجمحون ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون"أي إنما نيتهم ورضاهم وسخطهم لدنياهم.