لما تقدم من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
الثاني: أن يكون له مالك لكن غير معصوم كالحربي [1] فقال أبو البركات وصاحب التلخيص، وهو ظاهر كلام القاضي: أنه يملك بالإحياء، إذ لا حرمة لملكه أصلًا. وإذن تستثنى هذه الصورة من مفهوم كلام الخرقي.
وقال أبو محمد: حكم دار الحرب حكم دار الإسلام حتى أنه جعل فيما عرف أنه ملك، ولم يعرف له مالك معين روايتين، كالمسألة التي بعد، واستدل بعموم الخبر، وبأن عامرهم إنما يملك بالقهر والغلبة.
الثالث: أن يعرف أنه ملك، ولكن لا يعرف له مالك كخراب باد أهله، ولم يعرف لهم وارث، فعنه وهو المشهور عنه: لا يملك بالإحياء. وهو مقتضى كلام الخرقي، واختيار أبي بكر والقاضي وعامة أصحابه كالشريف وأبي الخطاب والشيرازي لظاهر حديث عائشة إذ هذه ليست لأحد لأنه إن كان له وارث فهي له وإن لم يكن له وارث فهي في المسلمين. وبهذا علل أحمد في رواية أبي داود، وعنه: لا يملك بالإحياء، عملًا بعموم أكثر الأحاديث.
وعنه: إن بقيت عصمة من ملكها لم يملك بالإحياء، لما تقدم، وإن شك في عصمته ملكت لأن المقتضى قد وجد وشك في المانع، وهذه اختيار صاحب التلخيص واستثنى أبو محمد من هذا ما به آثار ملك قديم جاهلي كمساكن ثمود ونحوهم فإنها نملك بالإحياء، لما يروى عن طاوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"عادي الأرض لله ولرسوله ثم [هي] لكم"رواه سعيد في سننه، وأبو عبيد في الأموال [2] ، ويحتاج كلام أبي محمد إلى بحث ليس هذا موضعه [3] . والله أعلم.
(1) فإذا أحياه بدار الحرب والدرس، كان كموات أصلي، يملكه المسلم بالإحياء وقال القاضي وابن عقيل والشيرازي: لا يملك بالإحياء. (الإنصاف: 6/ 355) .
(2) الأموال لأبي عبيد، كتاب أحكام الأرضين: 386.
(3) وخلاصة القول في هذا: أن ما لا يعلم له مالك، أربعة أقسام:
الأول: ما أثر الملك فيه غير جاهلي: كالقرى الخربة التي ذهبت أنهار رهصًا. ودرست آثارها وفي حكمها بالإحياء روايتان: الملك بالإحياء، وعدمه، والصحيح من المذهب التفرقة بين دار الحرب ودار السلام.
الثاني: ما أثر الملك فيه جاهلي قديم، كديار عاد ومساكن ثمود وآثار الروم، والصحيح من المذهب جواز إحيائه وملكه.
الثالث: ما لا أثر فيه جاهلي قريب، والصحيح أنه يملك بالإحياء وفي رواية: لا يملك.
الرابع: ما تردد في جريان الملك عليه. وفيه روايتان: أصحهما الجواز. (الإنصاف: 6/ 3536) .