والمسألة الثانية: أن للأم إذا شاءت أن ترضعه بأجرة مثلها كان لها ذلك وقدمت على غيرها إذا كانت مفارقة من الزوج بلا نزاع، وكذلك إذا كانت في حباله على المشهور.
وقيل: بل إذا كانت في حباله كان له منعها بأجرة وبغيرها ومبنى الخلاف على فهم الآية الكريمة، وذلك لأن إرضاعه كنفقته والجامع أن بنيته لا تقوم إلا بهما، ونفقته لو كان كبيرًا عليه، فكذلك إرضاعه إذا كان صغيرًا، ولظاهر الآية الكريمة: {والوالدات يرضعن أولادهن} [1] فإن الله سبحانه جعل حكمه الشرعي أن الوالدات يرضعن أولادهن، لكن هل المراد كل والدة اعتمادًا على عموم اللفظ، فتدخل فيه المطلقة وغيرها، أو المراد به الوالدات المطلقات لذكرهن في سياق المطلقات، والسياق والسباق يخصصان، فيه قولان فعلى الثاني إذا كان المراد المطلقات، فالزوجات لم يتناولهن الآية، وإذا للزوج منعهن من الإرضاع نظرًا لحقه من الاستمتاع كما له ذلك في ولده غيره.
وقول: الخرقي:"بأجرة مثلها"مفهوم أنها إذا طلبت أكثر من أجرة المثل لم تكن أحق به وهو كذلك لطلبها ما ليس لها فتدخل في قوله تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [2] نعم لو طلبت أكثر من أجرة المثل ولم يوجد من يرضعه إلا بمثل تلك الأجرة. فقال أبو محمد: الأم أحق لتساويهما في الأجرة وميزت الأم. وقوله:"فتكون أحق به"مقتضاه وإن وجد متبرعة برضاعه وهو كذلك اعتمادًا على إطلاق الآية الكريمة. والله سبحانه أعلم.
(1) الآية 233 من سورة البقرة.
(2) سورة الطلاق: آية 6.