كلام أحمد المنع في اليمين انتهى. وظاهر كلام الشيخين الجواز، واعتمد أبو محمد على ما روى أن مهنا كان عنده هو والمروزي وجماعة، فجاء رجل يطلب المروزي، ولم يرد المروزي أن يكلمه، فوضع مهنا أصبعه في كفه، فقال ليس المروزي ها هنا وما يصنع المروزي ها هنا، ويريد ليس في كفه، ولم ينكر ذلك الإمام أحمد، واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم:"كان يمزح ولا يقول إلا حقًا"والمزح أن يوهم السامع بكلامه غير ما يفهم من ظاهره كما قال لتلك العجوز:"لا يدخل الجنة عجوز"يعني أن الله ينشئهن أبكارًا، عربًا أترابًا وعن أنس رضي الله عنه:"أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله احملني: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا حاملوك على ولد ناقة. فقال: ما أصنع بولد الناقة؟ قال: وهل تلد الإبل إلا النوق" [1] رواه أبو داود. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل اختصره من ورائه:"من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله، تجدني إذن كاسدًا. قال: لكنك عند الله لست بكاسد" [2] وهذا كله من التأويل الحق الجائز، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقًا.
قلت: وهذا كله ورد في غير اليمين وهو واضح، أما اليمين فلها حرمة، فقد يقال لا حاجة إلى ارتكابها، والتعريض فيها لا سيما وقد عضد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:"اليمين على نية المستحلف"خرج منه المظلوم لما تقدم، وللاتفاق أيضًا فيما أظن فيبقى ما عداه على مقتضى العموم والله سبحانه أعلم.
(1) أخرجه أبو داود في الأدب (84) .
(2) أخرجه الإمام أحمد في 3/ 161.