ترك مواصلته، وإن كان السبب يقتضي ذلك فلا ريب أيضًا في حنثه بمكاتبته ومراسلته لوجود مواصلة المحلوف على تركها، وإن عرّيت اليمين عن قصد وسبب، ففيه روايتان، حكاهما في الكافي:
إحداهما: وهي التي حكاها في المغني عن الأصحاب: الحنث أيضًا؛ لأن الظاهر في هذه اليمين هجرانه، فيحمل يمينه عليه اعتمادًا على الظاهر.
والثانية: وإليها ميل أبي محمد: عدم الحنث والحال هذه لأن ذلك ليس بكلام حقيقة، ولهذا يصحّ نفيه، فيقال: ما كلمته وإنما كاتبته. ولأن الله تعالى امتن على موسى عليه السلام فقال تعالى: {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [1] ولو كانت الرسالة تكليمًا لشارك موسى غيره من الرسل. وأما قوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} [2] فاستثنى الرسول من التكليم. وذلك بالنظر إلى الاشتراك في أصل معنى التكليم وهو التأثير، إذ هو مأخوذ من الكلم وهو الجرح، ولا شك أن المراسلة والمكاتبة تؤثر في المراسل إليه والمكتوب إليه ولذلك جعل سبحانه الكلامِ قسيمًا للوحي في موضع آخر، لا من أقسامه. فقال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} [3] الآية إلى {وكلم الله موسى تكليمًا} [4] نظرًا إلى أن كلا منهما يختص عند الإطلاق باسم، وبالجملة ميل أبي محمد هنا إلى الحقيقة، وميل الأصحاب إلى المعنى وهو أوجه. والله أعلم.
(1) الآية 144 من سورة الأعراف.
(2) الآية 51 من سورة الشورى.
(3) الآية 163 من سورة النساء.
(4) الآية 164 من سورة النساء.