ولم يؤرخا، فعن أحمد ما يدل على تقديم بينة الإسلام بكل حال في الصورتين، وهو اختيار أبي محمد في العمدة، وظاهر كلام أبي الخطاب في الهداية، لترجحها بالدار، ولذلك حكم للميت بأحكام المسلمين من الغسل والدفن ونحو ذلك، ولما أشار إليه الخرقي من أن الإسلام يطرأ على الكفر، فيدل على تأخيره، والكفر لا يطرأ على الإسلام لعدم الإقرار عليه في دار الإسلام وفرّق الخرقي، وتبعه الشيرازي، بين الصورتين، فاختارا في الصورة الثانية: تقديم بينة الإسلام لما تقدّم، واختارا في الأولى: التعارض، لأن قول البينة: مات مسلمًا، ومات كافرًا، ظاهره أنه مات ناطقًا بذلك، وإذن يتعارضان، لأن النطق بالإسلام يعارضه النطق بالكفر. وسوى القاضي وجماعة بين الصورتين، وقالوا: فيهما: إن عرف أصل دينه قدّمت البينة الناقلة عنه لأنها تشهد بزيادة فهو كبينة الجرح مع بينة التعديل، وإن لم يعرف تعارضتا، وأبو محمد في المغني يواقف الخرقي في الصورة الثانية، ويواقف القاضي ومن دان بقوله في الأولى.
ولو أرخّ البينتان معرفتهما، فإن كان بتاريخين مختلفين عمل بالأخير منهما، لأنه ثبت بالبينة أنه انتقل عما كان عليه أولا، وإن اتحد التاريخ، فقال أبو محمد: إن لم يعرف أصل دينه تعارضتا، وإن عرف قدم الناقلة عنه.
تنبيه: لو قالت بينة مات ناطقًا بكلمة الإسلام، وبينة: مات ناطقًا بكلمة الكفر. فقال الشيخان وغيرهما: تتعارضان سواء كان علم أصل دينه، أو لم يعلم. ولم يذكروا خلافًا وشذّ ابن عقيل في التذكرة فقال: إن عرف أصل دينه فالقول قول من يدّعي بينة، لأنه يدّعي أمرًا طارئًا وحيث قيل بالتعارض هنا وفي تقدّم. فهل يتساقطان ويصيران كمن لا بينة لها على ما تقدم وهو الذي قاله الخرقي جريًا على قاعدته، أو يستعملان بقسمة أو قرعة كما تقدّم على الروايتين السابقتين، وفيه نظر، إن عرف ارتدّ، فيكون المنازع في النصف أو الكل أهل