واختلفت الرواية عن أحمد في القدر الذي يتعلق به الفدية. فعنه - وهو اختيار القاضي وأصحابه وغير هم: تجب في ثلاث شعرات فصاعدًا إذ بذلك يسعى حالقًا فيدخل تحت قوله تعالى:"ففدية"إذ التقدير: فحلق. وعنه - وهو الأشهر عنه، واختيار الخرقي: لا يجب إلا في أربع فصاعدًا، إذ الثلاث آخر حد القلة وما زاد عليه كثير فيتعلق الحكم به دون القليل. وعنه - وهو أضعفها، واختيار أبو بكر: لا يتعلق إلا بخمس فصاعدًا، وزوال الشعر بنتف أو غيره كحلقه إناطة بالترفه وإنما ذكر الخرقي الحلق إناطة بالغالب. وقد دخل في كلام الخرقي شعر الرأس والبدن، ولا إشكال في تعلق الفدية عندنا بشعر البدن لحصول الترفه به، ثم هل هو مع شعر الرأس كالشي الواحد، فلو حلق منه شعرتين، ومن شعر الناس شعرتين، وجبت الفدية، ولو حلق منه أربع شعرات، ومن شعر الرأس أربع شعرات لم تجب إلا فدية واحدة، لأن الشعر كله جنس واحد، أو لكل واحد منهما حكم منفرد لحصول التحلل بأحدهما دون الآخر فلا تكمل الفدية في الصورة الأولى، ويجب في الصورة الثانية فديتان، فيه روايتان منصوصتان: الأولى اختيار أبي الخطاب وأبي محمد، والثانية اختيار القاضي في التعليق وفي غيره [وابن عقيل] ولا فرق في زوال الشعر بين من له عذر، وهو الذي ورد فيه النص، ومن لا عذر له، ولا بين العامد والناسي، ونحوه على المنصوص والمعمول به في المذهب، إذ غاية الناسي ونحوه أنه معذور، وقد وجبت الكفارة بالنص على المعذور، والفقه في ذلك أنه إتلاف لا يمكن تداركه [1] بخلاف اللباس ونحوه ونص أحمد - رحمه الله - في الصيد: أنه لا كفارة إلا في العمد فخرج القاضي [ومن بعده] [2] منه هنا
(1) ما بين المعكوفين أثبتناه من النسخة"ب".
(2) لأنه إتلاف، فأستوى عمده وخطأه، كقتل الصيد، ولأن الله تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به، وهو معذور، فكان ذلك تنبيهًا على وجوبها على غير المعذور ودليلًا على وجوبها على المعذور بنوع آخر. (المغني والشرح الكبير: 3/ 521) .