والنص الوارد في كتاب (المقتضب) للمبرد لا يتضح منه بشكل قاطع أن المبرد لا يعد الهمزة من حروف العربية الأصلية، فهو يقول: «اعلم أن الحروف العربية خمسة وثلاثون حرفا، منها ثمانية وعشرون لها صور» ، لكنه يقول بعد ذلك مباشرة: «فمنها للحلق ثلاثة مخارج: فمن أقصى الحلق مخرج الهمزة، وهي أبعد الحروف، ويليها في البعد مخرج الهاء، والألف هاوية هناك» [1] . فغاية ما يمكن قوله هنا أن المبرد لاحظ أن صور الحروف العربية ثمانية وعشرون [2] ، وهو يريد الرموز المكتوبة، والهمزة من بين أصوات العربية لم يكن لها رمز محدد لأسباب لغوية تاريخية، أما إنها أحد أصوات العربية لديه فيكفي في تقرير ذلك كلامه عن مخارج حروف الحلق الذي نقلنا جزءا منه هنا.
وكان بعض المحدثين قد أخذ على سيبويه أنه حين جعل الحروف العربية تسعة وعشرين ذكر الألف إلى جانب الهمزة، وهو يريد بها المدة التي في نحو (كان) ، ولكنه لم يذكر الواو والياء إلا مرة واحدة وهو يريد بهما الواو في (ثوب) والياء في (بيت) ، فلم يذكر واو المد في (تقول) ولا ياء المد في نحو (تبيع) ، وكان ينبغي حسب رأيه أن يكون عدد الحروف العربية الأصلية واحدا وثلاثين حرفا [3] .
وكان علماء التجويد يسيرون باتجاه القول بأن حروف العربية الأصول واحد وثلاثون حرفا منذ وقت مبكر، ويتمثل ذلك بحديثهم عن الطبيعة المزدوجة لكل من الواو والياء حين يكونان حرفي مد (من الحروف الذائبة) مرة، وحين يكونان حرفي لين (من الجامدة) مرة أخرى، على نحو ما يوضح ذلك قول عبد الوهاب القرطبي: «الواو والياء تكون تارة من حروف المد واللين بأن تسكنا ويكون ما قبلهما منهما، وتارة يتحيّز مخرجهما إذا تغيرتا عن هذا الوضع بأن تسكنا وينفتح ما قبلهما، ومتى وجد ذلك زال عنهما معظم المد وبقي اللين وانبسط اللسان بهما، وصارتا بمنزلة الحروف الجوامد» [4] . وسوف نتحدث عن تلك الصفة لكل من الواو والياء في مبحث لاحق، إن شاء الله تعالى، ولكن الذي يعنينا هنا هو أن نقرر أن تلك النظرة المزدوجة إلى كل من الواو والياء قد انتهت عند علماء التجويد إلى القول بأن
(1) المقتضب 1/ 192.
(2) ولعل هذا هو قصد الفراء بقوله (معاني القرآن 1/ 368) : «أب ت ث ثمانية وعشرون حرفا» .
(3) انظر: كمال محمد بشر: دراسات في علم اللغة 1/ 8281، وتمام حسان: مناهج البحث في اللغة ص 90.
(4) الموضح 164ظ.