يحدث في بعض الأحيان أن يجري نفس من الألف أثناء نطق حروف المد، فيؤدي ذلك إلى سماع غنة خفيفة تلابس أصوات حروف المد: وهذا هو معنى إشراب المد غنّة.
وقد حذر علماء التجويد من ذلك وعدوه لحنا يجب أن تبرأ القراءة منه. وقد قال أحمد بن أبي عمر: «فإن سكنت الياء وانكسر ما قبلها أو سكنت الواو وانضم ما قبلها أشبعتهما من غير غنة نحو يؤمنون، والمؤمنون، والمؤمنين» [1] .
وقال الحسن بن شجاع التوني: «ويحترز من إدغام حرف المد، نحو {فِي يُوسُفَ}
[يوسف: 7] و {قََالُوا وَهُمْ} [الشعراء: 96] . وإذا وقفت على مثل (يعلمون، ويؤمنون) فاحذر من الغنة فيها» [2] .
وكان المرعشي أكثر علماء التجويد عناية بهذه الظاهرة والتحذير منها، فقد قال:
«وليحذر عن إعطاء الغنة لغير حروفها، كما يفعله بعض الناس في الياء المدية والواو المدية، في مثل: نستعين، وطس، ويستهزءون، تبعا لغنة النون» [3] .
وقال في مكان آخر: «إن الغنة لما أشبهت المد يلائم إحداث الغنة مع تلفظ المد، ولذا يلفظ بعض الناس المد مصحوبا بالغنة. في مثل (نستعين) وهو لا يشعر بذلك، وهو لحن. وطريق معرفة حدوثها في مثل ذلك أن تلفظه مرة مع الإمساك على أنفك، ومرة بدونه، فإن اختلف صوت المد في الحالين فاعلم أنه مصحوب بها. وطريق الحذر عنها منع النفس الجاري مع المد من التجاوز إلى الخيشوم، وامتحان صوته بالإمساك على الأنف وتركه إلى أن يتعود تخليص المد عنها» [4] .
وكلام المرعشي عن ظاهرة إشراب المد صوت الغنة يدل على فقه عميق بإنتاج الأصوات وما لها من صفات، وما يلحقها في التركيب من شوائب وانحرافات، وقد عز أن توجد مثل هذه النصوص فيما كتب الدارسون المحدثون عن الأصوات العربية، فلله ذرّ المرعشي كم عنده من دقائق الأقوال وعظيم الأفكار!
(1) الإيضاح 71و.
(2) المفيد في علم التجويد 10و.
(3) جهد المقل 61ظ.
(4) جهد المقل 62ظ.