والقضية الأخرى التي شغل بها علماء التجويد كثيرا، هي قضية ترتيب الحروف التي تخرج من مخرج واحد، فقول سيبويه: (ومن أوسط الحلق العين والحاء) [1] هل يعني أن العين قبل الحاء أو أنه لم يقصد بينهما ترتيبا؟ وقد كان أبو الحسن علي بن محمد بن خروف (ت 606هـ على خلاف) قد قال: «إن سيبويه لم يقصد ترتيبا فيما هو من مخرج واحد» [2] .
وكان أبو حيان قد قال: «وظاهر كلام سيبويه أن الحاء بعد العين، وهو نص كلام مكي ابن أبي طالب. ويظهر من كلام المهدوي أن العين بعد الحاء، وهو نص أبي الحسن شريح» [3] . ونقل ابن الجزري كلام أبي حيان في كتابه النشر [4] . وقد قال الدكتور إبراهيم أنيس أن هذا الخلاف وهمي، وأن التجارب الحديثة قد دلت على أن لكل صوتين من أصوات الحلق حيزا معينا، يحلان فيه معا دون ترتيب لأحدهما على الآخر، وأيد كلامه بقول ابن حروف السابق [5] .
السؤال الآن: هل الخلاف في ترتيب الحروف التي تنتج من مخرج واحد خلاف وهمي، فيكون علماء التجويد قد أخطئوا في هذا الموضوع جملة وتفصيلا؟.
إن وسائل دراستنا محدودة لا تعدو الملاحظة الذاتية، مع الاستفادة من النتائج التي توصل إليها دارسو الأصوات من المحدثين. فإذا كانت (التجارب الحديثة) قد دلت على خطأ موقف علماء التجويد، فنحن لا نملك بالملاحظة الذاتية فقط أن نثبت العكس في موضوع دقيق جدا، لأن علماء التجويد حين قالوا بأن العين قبل الحاء مثلا كانوا يدركون التقارب الشديد بينهما، ومن ثم نشأت تلك الآراء الثلاثة: (قبل مع بعد) . ولولا ما عثرنا عليه من نصوص لبعض علماء التجويد حول الموضوع لاكتفينا بما دلت عليه التجارب الحديثة، لكن تلك النصوص لا تسمح للباحث المدقق أن يمر عليها دون أن يتساءل عن الأسس التي بنيت عليها، وعن مقدارها من الصحة.
كان محمد المرعشي قد قال وهو يتحدث عن الظاء والذال والثاء: «فاللسان يقرب إلى
(1) الكتاب 4/ 433.
(2) أبو حيان: ارتشاف الضرب ص 3. وابن الجزري: النشر 1/ 199.
(3) ارتشاف الضرب ص 2.
(4) النشر 1/ 199.
(5) الأصوات اللغوية ص 115114.