الخارج في الثاء أكثر مما يقرب في أختيها، ويقرب إليه في الذال أكثر مما يقرب في الظاء» [1] .
وهذا النص يكشف لنا عن ظاهرة دقيقة تخص الأصوات التي تشترك في مخرج واحد، وهو يتعلق بأصوات يمكن مراقبة إنتاجها بالنظر من دون حاجة إلى أجهزة، فنحن نلاحظ ما لاحظه المرعشي، فيكفي المرء أن يردد (ظ ذ ث) ليكتشف ذلك التدرج في اندفاع طرف اللسان مع هذه الأصوات التي تخرج من مخرج واحد، ويمكن الاستعانة بمرآة في أثناء النطق بتلك الأصوات لكي يلاحظ الناطق حركة طرف اللسان في تقدمه مع الثاء وتراجعه مع الذال، ثم تراجعه أكثر من ذلك مع الظاء، ويشترط في أثناء إجراء هذه التجربة أن ينطق الأصوات الثلاثة بنفس واحد، غير فاصل بينها بصوت آخر من همزة الوصل أو غيرها، حتى يتمكن من ملاحظة حركة اللسان بوضوح دون مؤثرات خارجية، وسواء بدأ بالظاء وانتهى بالثاء أم بالعكس.
ويمكن أن نفسر تلك الظاهرة من خلال ظاهرتي الجهر والهمس، والإطباق والانفتاح، فالثاء حرف مهموس يحتاج نطقه إلى ضغط النّفس في مخرجه على نحو أكثر مما يحتاج في نطق الذال الذي يتذبذب الوتران الصوتيان في أثناء النطق به، فتحصل النغمة الصوتية التي تجعل الصوت المجهور أوضح من المهموس فلا يحتاج الناطق إلى ضغط الهواء في مخرجه بقدر ما يحتاج في المهموس، فيخرج نفس المجهور من مخرجه فاترا. وقد ذكرنا من قبل أن نفس الصوت المهموس كثير، ونفس المجهور قليل. وهذا يعني أن النّفس في الصوت المهموس يجذب طرف اللسان إلى الخارج لشدة الضغط معه أكثر مما يجذبه الصوت المجهور لضعف النّفس معه قياسا بنفس المهموس. فاللسان إذن يقرب إلى الخارج في الثاء أكثر مما يقرب في الذال.
أما الظاء فإنه صوت مطبق، والإطباق أن ترفع ظهر لسانك إلى الحنك الأعلى مطبقا له، في أثناء النطق بالصوت المطبق [2] . ففي حالة النطق بالظاء يرتفع طرف اللسان وأقصاه نحو الحنك ويتقعر وسطه [3] . والذال هو الصوت المنفتح المقابل للظاء. وليس بينهما من فرق سوى الإطباق. ويبدو أن اندفاع ظهر اللسان من جهة أقصاه مع الظاء جعل طرفه يتقاصر عن موضع الذال شيئا قليلا ومن ثم لاحظ المرعشي أن طرف اللسان يقرب إلى الخارج مع الذال أكثر مما يقرب مع الظاء.
(1) جهد المقل 9ظ.
(2) انظر: سيبويه: الكتاب 4/ 436، وعبد الوهاب القرطبي: الموضح 156ظ.
(3) إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية ص 47.