الإطباق والانفتاح صفتان متقابلتان، مثل الجهر والهمس، تميزان بين عدد من الأصوات المتحدة المخرج، ويرجع أساس هذا التقسيم إلى ما ذكره سيبويه في الكتاب، وذلك حيث قال: وهو يتحدث عن صفات الحروف: «ومنها المطبقة والمنفتحة. فأما المطبقة فالصاد والضاد والطاء والظاء. والمنفتحة كل ما سوى ذلك من الحروف، لأنك لا تطبق لشيء منهن لسانك، ترفعه إلى الحنك الأعلى.
وهذه الحروف الأربعة إذا وضعت لسانك في مواضعهن انطبق لسانك من مواضعهن إلى ما حاذى الحنك الأعلى من اللسان ترفعه إلى الحنك، فإذا وضعت لسانك فالصوت محصور فيما بين اللسان والحنك إلى موضع الحروف. وأمّا الدال والزاي ونحوهما فإنما ينحصر الصوت إذا وضعت لسانك في مواضعهن.
فهذه الأربعة لها موضعان من اللسان. وقد بيّن بحصر الصوت. ولولا الإطباق لصارت الطاء دالا، والصاد سينا، والظاء ذالا، ولخرجت الضاد من الكلام، لأنه ليس شيء من موضعها غيرها» [1] .
وقول سيبويه (ولولا الإطباق لصارت الطاء دالا) مبني على أن الطاء كانت مجهورة في عصره. أما اليوم فإن الذي يطابق النطق السائد للطاء هو القول: (ولولا الإطباق لصارت الطاء تاء) . وكذا الأمر بالنسبة للضاد، فإن سيبويه يتحدث هنا عن الضاد العربية القديمة أما الضاد التي تنطق في زماننا فهي إما النظير المطبق للدال، كما في نطق المصريين، وإما النظير المطبق للذال، أي إنها تماثل الظاء تماما، كما في العراق. وقد فرغنا من الكلام عن هذه القضية من قبل عند الكلام عن الجهر والهمس والشدة والرخاوة.
وقد زعم جان كانتينو أن تحديد سيبويه للإطباق والانفتاح الذي تضمنه النص السابق (بعيد عن الوضوح) [2] . وهذا رأي مبالغ فيه جدا، فلو أنّا وازنا بين كلام سيبويه عن المطبق والمنفتح وبين قول المحدثين في وصف ما يحدث للسان في أثناء النطق بالصوت المطبق:
«يرتفع طرف اللسان وأقصاه نحو الحنك ويتقعر وسطه [3] لوجدنا أن كلام سيبويه أقرب إلى
(1) الكتاب 4/ 436.
(2) دروس ص 36. وانظر: حسام النعيمي: الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني ص 318.
(3) إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية ص 47، ومحمود السعران: علم اللغة ص 168.