إن النظام الصوتي للغة العربية كما وصفناه في الفصل السابق مبني على أساس نظري تجريدي لا يلحظ الأصوات في جميع سياقاتها النطقية، فنحن حين نصف صوتا معينا بأنه مجهور فإن ذلك مبني على ملاحظة أحوال ذلك الصوت الغالبة، وإلا فمن المحتمل أن يأتي في بعض المواقع في السلسلة الكلامية المنطوقة مهموسا، وكذلك حين نصف صوتا بأنه مرقق فإن ذلك لا يعني أنه لا يلحقه التفخيم مطلقا، ومثل ذلك جملة الصفات والخصائص الصوتية التي وصفنا بها الأصوات العربية، فإنها معرضة في الكلام المنطوق للتغير بدرجات متفاوتة بتأثير من الأصوات المجاورة.
ويقرر علماء الأصوات المحدثون أن الأصوات اللغوية يتأثر بعضها ببعض في المتصل من الكلام، فحين ينطق المرء نطقا طبيعيا لا تكلف فيه نلحظ أن أصوات الكلمة الواحدة قد يؤثر بعضها في بعض، كما نلحظ أن اتصال الكلمات في النطق المتواصل قد يخضع أيضا لهذا التأثر. على أن نسبة التأثر تختلف من صوت إلى آخر. فمن الأصوات ما هو سريع التأثر يندمج في غيره أكثر مما قد يطرأ على ما سواه من الأصوات. ومجاورة الأصوات بعضها لبعض، في الكلام المتصل، هي السر فيما قد يصيب بعض الأصوات من تأثر [1] .
ويلاحظ أن علماء الأصوات المحدثين الذي درسوا أصوات اللغة العربية قد وجهوا معظم عنايتهم إلى دراسة الخصائص النطقية للأصوات العربية، أي ما يتعلق ببيان مخارجها وصفاتها التي تمتاز بها حينما ينظر إليها مجردة عن الكلام المنطوق. أما الظواهر الصوتية
(1) انظر: إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية ص 179.