والفرق بين النون المخفاة في (من قال) وبين النون المخفاة في (من بعد) ليس صوتيا بالدرجة الأساس، وذلك لأن تعريف الإخفاء ينطبق على الحالتين فهما متفقتان نطقيّا أو عضويا، من حيث انتقال معتمد النون في الفم مع بقاء الغنة من الأنف. وإنما الفرق بينهما أن الصوت الناتج من انتقال معتمد النون إلى مخرج الصوت الآتي بعدها في (من بعد) يعد حرفا مستقلا في اللغة العربية، بينما الصوت الناتج من انتقال معتمد النون إلى مخرج الصوت الآتي بعدها في (من قال) ليس حرفا أو وحدة صوتية مستقلة إنما هو تنوع موقعي لصوت النون.
فالأصوات الأنفية في العربية اثنان: النون ويعتمد لها بطرف اللسان على اللثة، والميم ويعتمد لها بين الشفتين. ويمكن من الناحية النطقية إنتاج عدد آخر من الأصوات الأنفية، وذلك في كل حالة يمكن أن يحصل فيها اعتماد في الفم مع بقاء صوت الغنة جاريا من الأنف، وهو ما ينطبق على جميع الأصوات الناتجة من إخفاء النون عند حروف الفم الخمسة عشر والياء والواو أيضا، ولكن جميع هذه الأصوات الأنفية تعد تنوعا موقعيا لصوت النون، ولا يعد أي منها صوتا مستقلا يدخل في بنية الكلمة العربية كأن يقع فاء أو عينا أو لاما.
ومن ذلك يتأكد أن أحكام النون الساكنة حين تلتقي بغيرها تعد من الناحية النطقية (أي العضوية) ثلاثة أحكام هي: الإظهار والإخفاء والإدغام ولكن هناك جانب آخر ينبغي أن يؤخذ بالحسبان، وهو أن جعل حكم النون الساكنة قبل الباء داخلا في الإخفاء يتعارض مع مبدأ تبسيط القواعد الذي يتطلبه تعليم المبتدئين. ومن ثم فإن هذا المبدأ يقتضي أن نفرد حكم النون الساكنة قبل الباء كما فعل جمهور علماء التجويد حين سموا هذه الحالة بالقلب أو الإقلاب.
ولا شك أن التمييز بين مستويين من الدرس الصوتي وهما المستوى التعليمي والمستوى التحليلي الوصفي الخالص أمر مطلوب، وقد مر بنا أن البقري حين عرض أحكام النون الساكنة قال: «والأولى أن تعد خمسة تقريبا للمبتدئين وتسهيلا عليهم» [1] . ومن ثم فنحن إذا نظرنا إلى الموضوع من الناحية الصوتية المحضة نقول إن أحكام النون الساكنة ثلاثة، وإذا نظرنا إلى الموضوع من الناحية التعليمية جعلناها أربعة بإضافة حكم القلب أو الإقلاب لأنه من غير اليسير على المبتدئين تصور أن يكون حكم النون الساكنة قبل الباء إخفاء وهم يرون صيرورتها في النطق ميما.
إن تأثر الميم الساكنة بمجاورة غيرها من الأصوات يكاد يكون معدوما، على الرغم من أنها تشارك النون في صفة الأنفية، حيث تنطبق الشفتان عند نطق الميم ويجري النفس غنة في الخياشيم. وهناك عاملان أثرا في علاقة الميم بغيرها من الأصوات، هما:
العامل الأول: هو أن الإدغام يكثر في حروف الفم ويقل في حروف الحلق والشفتين [2] ، قال الداني: «واعلم أن أصل الإدغام إنما هو حروف الفم واللسان لكثرتها في
(1) غنية الطالبين ص 47.
(2) انظر: سيبويه: الكتاب 4/ 448و 449و 450و 462.