والياء، وقد تحدثنا قبل قليل عن الأساس الذي يلحقان بموجبه بحروف الإخفاء، وإلى جانب صوت الباء، ولعل ذكر الباء مع حروف الإخفاء يبدو أمرا غريبا، لكن لا ينبغي أن نستوحش من ذلك، لأنه من الناحية النطقية ينطبق عليه تعريف الإخفاء. وكان الفراء قد سماه إخفاء كما ذكرناه حين درسنا حكم القلب.
فالنون الساكنة إذا وقعت قبل الباء في مثل (من بعد) لا تدغم في الباء لأنها لم تقرب منها قرب اللام والراء، كما أنها لا تظهر لأن الباء لم تبعد من النون بعد حروف الحلق. ومن ثم كانت النون في مرتبة متوسطة بين الإظهار والإدغام، فانتقل معتمد النون في الفم إلى معتمد الصوت الآتي بعدها وهو الباء، ولكن الصوت الناتج حينئذ من انتقال معتمد النون إلى الشفتين مع إبقاء صوت الغنة هو مثل صوت الميم، وما حدث في هذه الحالة، هو عين ما حدث في مثل (من ماء) حين آلت النون إلى صوت الميم، لكن الصوت الآتي بعد النون في (من ماء) صوت أنفي أغن بينما الصوت الآتي بعد النون في مثل (من بعد) صوت ليس فيه غنة.
إننا حين نقول إن النون قلبت ميما في مثل (من بعد) يجب أن نقول من الناحية النطقية أن النون قلبت ميما بالطريقة نفسها في مثل (من ماء) ، ولكن الميم الناتجة من انتقال مخرج النون إلى الشفتين صادفت في الحالة الأولى صوتا ليس فيه غنة فتوقف تأثر النون عند حد صيرورتها ميما، وصادف في الحالة الثانية صوتا أنفيا ينتج بنفس الطريقة فتبع قلب النون ميما إدغامها في الميم.
إن ما حصل للنون الساكنة قبل الميم والباء يشبه من الناحية النطقية ما حصل للنون قبل القاف والكاف وما سواهما من حروف الإخفاء الخمسة عشر التي يذكرها علماء التجويد، وما يحصل للنون قبل الياء الواو أيضا، فإذا قلنا (من قال) أو (من كان) فإن معتمد النون بدلا من أن يتقدم نحو الشفتين كما في مثل (من بعد) و (من ماء) يتراجع نحو أقصى اللسان، ويظل النفس جاريا من الأنف، وهو ما نسميه بالغنة.
والفرق بين النون المخفاة في (من قال) وبين النون المخفاة في (من بعد) ليس صوتيا بالدرجة الأساس، وذلك لأن تعريف الإخفاء ينطبق على الحالتين فهما متفقتان نطقيّا أو عضويا، من حيث انتقال معتمد النون في الفم مع بقاء الغنة من الأنف. وإنما الفرق بينهما أن الصوت الناتج من انتقال معتمد النون إلى مخرج الصوت الآتي بعدها في (من بعد) يعد حرفا مستقلا في اللغة العربية، بينما الصوت الناتج من انتقال معتمد النون إلى مخرج الصوت الآتي بعدها في (من قال) ليس حرفا أو وحدة صوتية مستقلة إنما هو تنوع موقعي لصوت النون.
فالأصوات الأنفية في العربية اثنان: النون ويعتمد لها بطرف اللسان على اللثة، والميم ويعتمد لها بين الشفتين. ويمكن من الناحية النطقية إنتاج عدد آخر من الأصوات الأنفية، وذلك في كل حالة يمكن أن يحصل فيها اعتماد في الفم مع بقاء صوت الغنة جاريا من الأنف، وهو ما ينطبق على جميع الأصوات الناتجة من إخفاء النون عند حروف الفم الخمسة عشر والياء والواو أيضا، ولكن جميع هذه الأصوات الأنفية تعد تنوعا موقعيا لصوت النون، ولا يعد أي منها صوتا مستقلا يدخل في بنية الكلمة العربية كأن يقع فاء أو عينا أو لاما.