ويتضح من العرض السابق أن أحكام الميم الساكنة إذا تجاوزنا بعض الروايات الضعيفة تنحصر في الإظهار، فإدغام الميم لا يتأتى إلا في مثلها، وهذا لا يستلزم إفراده بحكم مستقل، وإخفاؤها عند الباء لا يظهر له وجه، ويحمله كثير من العلماء على معنى الإظهار. ومن ثم قلت في أول دراسة هذا الموضوع أنه لولا بعض المناقشات ولولا بعض الروايات لما وجد الدارس مسوغا لإفراد أحكام الميم الساكنة ببحث مستقل.
الإدغام يعني النطق بصوتين متماثلين الأول منهما ساكن والثاني متحرك، سواء حصلت تغييرات صوتية تؤدي إلى التقاء المثلين أم أن الصوتين متماثلان أصلا. قال ابن يعيش: «إذا أدغمت المثلين المتحركين عملت شيئين أسكنت الأول وأدغمته في الثاني، مثل: جعل لك، وجعل لهم. فإن كان الأول ساكنا قبل الإدغام عملت شيئا واحدا وهو الإدغام، مثل: قل لهم، واجعل له. وإذا أدغمت المتقاربين المتحركين عملت ثلاثة أشياء: أسكنت الأول منهما، وقلبت الأول إلى لفظ الثاني، وأدغمت، نحو: بيّت طائفة. وإن كان أحد المتقاربين ساكنا في أصله مثل لام المعرفة فليس إلا عملان: قلب الأول، وإدغامه، مثل: الرّجل والذّاهب» [1] .
ويراد بالتشديد الإدغام، وبالحرف المشدد الحرف المدغم، سواء أكان الإدغام ناتجا من التركيب مثل: جعل لك، والرّجل، أم كان من بنية الكلمة مثل: شدّ ومدّ وقدّم وقطّع. وقد قال الخليل إن «التشديد علامة الإدغام» [2] . ويسمّى التشديد أيضا التضعيف، وذكر سيبويه أن علامة التضعيف الشين [3] .
وكانت عناية علماء التجويد بظاهرة الإدغام وبالمشددات كبيرة، وقد وقفنا من قبل على جوانب منها. ونريد أن نختم الحديث عن موضوع الإدغام بالنظر في بعض النقاط التي تتعلق
بالميم شيئا قليلا، ثم تطبقهما عند نطق الباء بعدها. وكان الشيخ عامر السيد عثمان، وهو أحد علماء القراءة في الأزهر، ومحقق الجزء الأول من كتاب (لطائف الإشارات لفنون القراءات) للقسطلاني بالاشتراك مع الدكتور عبد الصبور شاهين لا يقبل ممن يقرأ عنده إطباق الشفتين عند نطق الميم قبل الباء ويأبى إلا انفراجهما، وذلك عند ترددي عليه للقراءة سنة 1975م، وقت إقامتي في القاهرة لدراسة الماجستير. ولكني لم أجد في كتب علم التجويد ما يؤكد هذا الاتجاه في فهم إخفاء الميم.
(1) شرح المفصل 10/ 131.
(2) العين 1/ 49.
(3) الكتاب 4/ 169.