استوفيت في الفصول الثلاثة التي يتألف منها هذا البحث الكلام عن علم التجويد من جانبيه التاريخي والموضوعي، فقد تتبعت في الفصل الأول تاريخ علم التجويد نشأة وتأليفا ومنهجا، وتناولت في الفصل الثاني جهود علماء التجويد في دراسة الأصوات من حيث كيفية نطقها وتحديد مخارجها وصفاتها. ثم تناولت في الفصل الثالث جهودهم في دراسة الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب، وهذه هي الموضوعات الرئيسية لعلم الأصوات النطقي، قد أشبعها علماء التجويد بحثا وتأليفا.
إن أهم نتائج هذا البحث من الناحية اللغوية الكشف عن علم التجويد مصدرا أصيلا من مصادر الدراسة الصوتية العربية، وهذه النتيجة ليست مبنية على أساس كثرة الكتب المؤلفة في علم التجويد، ولا على أساس المادة الغزيرة التي تتضمنها تلك الكتب فحسب، وإنما على الإنجازات القيمة التي حققها علماء التجويد في مجال دراسة الأصوات أيضا. وإذا كان من غير الممكن أن نذكر كل تلك الإنجازات على نحو مفصل في الخاتمة فإن تلخيص أهمها أمر يكفي في تأكيد النتيجة المذكورة.
في الفصل الأول وردت جملة حقائق تتعلق بتاريخ علم التجويد وكتبه ومنهج علماء التجويد في دراسة الأصوات اللغوية. وقد تبين في المبحث الأول أن نشأة علم التجويد ترجع إلى أوائل القرن الرابع الهجري، حين ظهرت قصيدة أبي مزاحم الخاقاني (ت 325هـ) التي قالها في حسن أداء القرآن، كما ظهر أول مرة مصطلح (التجويد) حين استخدمه ابن مجاهد (ت 324هـ) ، ولم يحل القرن الخامس حتى كانت أكبر كتب علم التجويد قد ظهرت في مشرق العالم الإسلامي ومغربه. مثل (الرعاية) لمكي، و (التحديد) للداني، و (الموضح) للقرطبي، و (التحديد) لابن البناء.
وفي المبحث الثاني الذي تتبعت فيه الكتب المؤلفة في علم التجويد تجلت كثرة تلك المؤلفات وتنوع موضوعاتها وطريقة التأليف فيها، نظما ونثرا، عامة وخاصة. وهذا أمر له دلالة كبيرة في الدراسة الصوتية العربية، إذ أنه يعني وجود علم موضوعه دراسة الأصوات له
كتبه المستقلة الخاصة به.