النون، أما الميم فالشفتان هما موضع الميم. وأصل هذه الفكرة عند سيبويه [1] . وعنه نقلها علماء التجويد وغيرهم [2] .
أصبح الفرق واضحا لدى دارسي الأصوات من المحدثين بين هذه المصطلحات الأربعة، فالمجهور والمهموس مصطلحان يستخدمان لوصف الصوت تبعا لحالة الوترين الصوتيين عند النطق، فإذا تذبذب الوتران حال النطق بالصوت وصف بأنه مجهور، وإذا ظلا ساكنين والنّفس يمر بينهما دون أن يتذبذبا حال النطق بالصوت وصف بأنه مهموس.
أما الشديد والرخو فمصطلحان يعبران عن كيفية مرور الهواء في مخرج الصوت، فإذا حبس النفس في المخرج لحظة ثم أطلق وصف الصوت بأنه شديد، وإذا مر النفس في مخرج الصوت مع تضييق مجراه دون أن يحتبس في المخرج وصف الصوت بأنه رخو.
ومن ثم فإن الصوت المجهور يمكن أن يكون شديدا مثل: د، ب، ويمكن أن يكون رخوا مثل: ذ، ز. وكذلك الصوت المهموس يمكن أن يكون شديدا مثل: ك، ت، ويمكن أن يكون رخوا مثل: ث، س. ولا تناقض في ذلك أبدا.
وكذلك كان موقف علماء العربية وعلماء التجويد من هذا الموضوع، إلا أن بعض جوانبه ظلت غامضة لدى نفر قليل جدا منهم، فخلطوا بين المجهور والشديد، وأساس ذلك الغموض ينبع من تعريف سيبويه للمجهور والشديد، فالمجهور عند سيبويه: (حرف أشبع الاعتماد في موضعه، ومنع النّفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت» والشديد عنده:(هو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه) [3] .
فالمجهور (منع النّفس أن يجري معه) والشديد (يمنع الصوت أن يجري فيه) . وقد فهم العلماء بعد سيبويه أن (النّفس) و (الصوت) لهما دلالة خاصة ومتمايزة عنده، فكانوا حريصين على الدقة في استخدام كلمة (النّفس) مع المجهور، واستخدام كلمة (الصوت) مع الشديد.
وجعلوا ذلك جوهر الفرق بينهما، فقال الأسترآباذي (ت 686هـ) : «والفرق بين الشديدة والمجهورة أن الشديدة لا يجري الصوت عند النطق بها، بل إنك تسمع به في آن ثم ينقطع،
(1) الكتاب 4/ 435.
(2) انظر: الداني: التحديد 18و. وعبد الوهاب القرطبي: الموضح 156ظ.
(3) الكتاب 4/ 434.