تتكلم العربية. وإن أشهر تلك الأشكال نطق الضاد ظاء كما في العراق، ونطقها دالا مفخمة كما في مصر [1] ، وإن هذه الدال المفخمة تمثل الطاء العربية القديمة المجهورة، التي صارت منذ أمد مهموسة (تاء مطبقة) . فخرجت من اللغة العربية إذن الضاد القديمة، ودخلت الطاء الحديثة. وانتقلت الطاء القديمة لتمثل نطق الضاد في بعض البلاد العربية. وقد كان علماء التجويد مدركين بشكل عام لهذا التطور الذي تشير إليه النصوص المدونة في الكتب ويشهد له واقع الاستخدام اللغوي اليوم. ويمكن أن يثار هاهنا سؤال عن أسباب هذا التحول الفريد في أصوات اللغة العربية، ولكننا لا نملك وسائل الإجابة عن هذا السؤال الآن.
وصف علماء العربية وعلماء التجويد الجيم بأنه صوت شديد مجهور، يخرج من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى [2] . ونحن نعتقد أن هذا الوصف صحيح في جملته، ولا يزال ينطبق على الجيم التي ينطقها مجيد وقراءة القرآن الكريم ومن يتابعهم في نطقها.
وكان ابن الجزري (ت 833هـ) قد بيّن الصور السائدة لنطق الجيم في زمانه، التي كانت تسمع من متكلمي العربية، وحدد الجيم الفصيحة التي ينبغي أن يلتزم القارئ بها في نطقه، وذلك حيث قال: «والجيم يجب أن يتحفّظ بإخراجها من مخرجها، فربما خرجت من دون مخرجها، فينتشر بها اللسان، فتصير ممزوجة بالشين، كما يفعله كثير من أهل الشام ومصر.
وربما نبا بها اللسان فأخرجها ممزوجة بالكاف كما يفعله بعض الناس، وهو موجود كثيرا في بوادي اليمن» [3] .
وابن الجزري يريد بقوله (ممزوجة بالشين) الشين المجهورة، وهي التي تنطق في بلاد الشام في زماننا كما كانت تنطق في زمن ابن الجزري، وكذلك يريد بقوله (ممزوجة بالكاف) الكاف المجهورة التي تنطق في مصر وتعرف بالجيم القاهرية. ولا يزال هذا الوصف لنطق الجيم ينطبق على نطقها في عصرنا [4] .
ولم نكن نريد أن نخص الجيم بكلمة مستقلة لولا أن بعض دارسي الأصوات العربية
(1) انظر: جان كانتينو: دروس ص 87.
(2) انظر سيبويه: الكتاب 4/ 433، والداني: التحديد 28ظ، وعبد الوهاب القرطبي: الموضح 160ظ.
(3) النشر 1/ 217.
(4) انظر: كمال محمد بشر: الأصوات ص 165، وجان كانتينو: دروس ص 89.