بحقيقة الصوت المدغم أو المشدد. ولا شك في أن علماء التجويد كانوا مدركين أن المشدد هو الصوت المدغم. قال عبد الوهاب القرطبي: «أما التشديد فيحدث إذا التقى حرفان مثلان أو حرفان متقاربان الأول منهما ساكن والثاني متحرك، فيقلب أحدهما إلى الآخر فيجب الإدغام، وذلك بأن يجعل الاعتماد على الحرفين مرة، فيكون النطق بهما دفعة من غير وقف على الأول ولا فصل بين الحرفين بحركة ولا روم، ويكون الحرفان ملفوظا بهما ويصيران بالتداخل كحرف واحد لا مهلة بين بعضه وبعضه، ويلزم اللسان أو غيره من المخارج موضعا واحدا، إلا أن مكثه واحتباسه في المشدد لما حدث من التضعيف أكثر من مكثه واحتباسه في المخفف، كقولك: قطّ وثمّ، وكان الأصل قطط وثمم. وقد جّعل، وهل ثوب، والأصل فيه قد جعل وهل ثوب» [1] .
وتندرج الموضوعات المتعلقة ببيان حقيقة النطق بالصوت المشدد في نقطتين اثنتين، الأولى تتعلق بطول الصوت المشدد، والثانية تتعلق بمراتب التشديد، وما يتبع ذلك من بيان عناية علماء التجويد بالمشددات إذا تتابعت.
كل صوت لغوي يحتاج إلى زمن معين لإنتاجه، يمكن أن نقول مثلا إن صوت الدال يحتاج إلى ربع الثانية لإنتاجه، ومثله صوت التاء. ونحن هنا غير متأكدين من زمن نطق الدال في واقع اللغة، وإنما قلنا ربع الثانية ليستقيم لنا المثال، وربما كان في الحقيقة أقل من ذلك أو أكثر. مع علمنا أيضا أن طول الصوت قد يتأثر بموقعه فلا شك أن الصوت إذا كان ساكنا يختلف عنه إذا كان متحركا، كذلك يختلف إذا كان موقوفا عليه أو غير موقوف عليه.
والصوت المشدد ينتج من التقاء صوتين ساكن ثم متحرك، والقضية التي كانت موضع نقاش بين علماء التجويد هي هل أن طول الصوت المشدد يساوي ضعف طول الصوت المفرد، أي هل يساوي الدال في (قدّم) والتاء في (بتّ) دالين وتاءين، ويحتاج كل منهما من الوقت ضعف ما يحتاجه الدال المفرد والتاء المفرد، فيستغرقان من الوقت نصف ثانية؟ أم أنهما بسبب الإدغام يفقدان بعض خواصهما فيقل زمانهما عن نصف ثانية؟
كان لعلماء التجويد مذهبان في فهم طبيعة الصوت المشدد، الأول هو أن المشدد يقوم مقام حرفين ويستغرق نطقه ما يستغرقه الحرفان من الوقت. والثاني أن زمان الصوت المشدد
(1) الموضح 169 وانظر: الداني: التحديد 14 ظ.