حين قرر سيبويه أن مخارج الحروف ستة عشر مخرجا فإن ذلك يعني أن من الحروف ما يشترك في مخرج واحد، لأن حروف العربية حسب رأيه تسعة وعشرون حرفا، فنجد الحرفين والثلاثة يشتركان في المخرج الواحد، وقليل من تلك الحروف ما انفرد بمخرج مستقل، ويكون اختلاف الصفات هو الأساس في تمييز الحروف المشتركة في المخرج الواحد، وهو السبب في اختلاف جروسها في السمع، لكن بعض النحاة ذهب إلى أن ذلك تقريب، والتحقيق أن كل حرف له مخرج، فما مقدار هذا القول من الصحة، وما موقف علماء التجويد من ذلك؟.
يبدو أن ابن الحاجب (عثمان بن عمر ت 646هـ) هو أقدم من ذهب ذلك المذهب، فقد قال في الشافية: «ومخارج الحروف ستة عشر تقريبا، وإلا فلكل مخرج» [1] . وقال في (الإيضاح في شرح المفصل) : «قسم النحويون مخارج الحروف إلى ستة عشر على التقريب، وإلحاق ما اشتد تقاربه بمقاربه، وجعله معه من مخرج واحد، والتحقيق أن كل حرف له مخرج يخالف الآخر وإلا كان إياه، فجعلوا للهمزة والألف والهاء أقصى الحلق، ولا شك أن الهمزة أول، والألف بعدها، والهاء بعدها، ولكن لما اشتد التقارب اغتفروا ذكر التفرقة» [2] .
ولم يكن لهذا الاتجاه الجديد في تحديد مخارج الحروف العربية إلا تأثير يسير على موقف علماء التجويد في دراسة المخارج، سرعان ما اختفى ذلك التأثير، فلم يذهب ذلك المذهب إلا عدد قليل من علماء القراءة وعلماء التجويد [3] . وكذلك ذهب إليه بعض علماء العربية [4] . ومع أن هذا الاتجاه ظل افتراضيا، ولم يعتمد في دراسة المخارج، حتى عند القائلين به، نجد بعض العلماء يتصدون له ويبينون عدم متانة الأساس الذي يقوم عليه.
وكان رضي الدين الأسترآباذي (ت 686هـ) قد وضح مذهب ابن الحاجب لكنه تشكك
(1) انظر: الأسترآباذي: شرح الشافية 3/ 250.
(2) الإيضاح في شرح المفصل 2/ 480.
(3) مثل: أبو شامة: إبراز المعاني (باب مخارج الحروف) ص 3. وشعلة الموصلي: كنز التهاني (باب مخارج الحروف) ص 2. وزكريا الأنصاري: الدقائق المحكمة ص 7، وأحمد فائز الرومي: شرح الدر اليتيم 9و.
(4) مثل: الجاربردي شرح الشافية ص 241، والسيوطي: همع الهوامع 6/ 292.