ولنا أن نتساءل هنا عن النصوص التي نقلناها قبل قليل هل أوردها المصنفون في كتب القراءات التي ألفوها، أو أنهم ذكروها في كتب مستقلة صنفوها في علم التجويد؟ الإجابة القاطعة عن هذا التساؤل غير متيسرة الآن، لأن ما وصل إلينا من كتب القراءات المؤلفة في تلك المدة قليل جدا بل نادر لا يوضح لنا شيئا من الأمر، ومع ذلك فإني أميل إلى القول بوجود كتب مستقلة عالجت موضوع الأصوات العربية في إطار علم التجويد، ترجع إلى ذلك العصر، إما أنها ذهبت، أو أن وقت ظهورها وكشفها لم يحن بعد، ويمكن الرجوع إلى ما نقلته عن مؤلفات ابن المنادى، وقول ابن البناء فيه، للوقوف على أساس ميلنا إلى هذا القول.
وسواء أكان ذلك النشاط التجويدي قد وقع في كتب مستقلة أم تضمنته كتب القراءات فإنه يشير إلى أن القرن الرابع الهجري قد شهد نشأة علم التجويد وأن القصيدة الخاقانية لم تكن العمل الوحيد الذي أنتجته جهود علماء الأداء في هذا القرن، وإنما كانت بدايته المتميزة التي انتهت إلى العديد من الكتب في القرن الخامس للهجرة وما تلاه من قرون.