ووضح المرعشي ذلك بقوله: «الإخفاء يشبه المد، لأن التلفظ بالغنة الظاهرة يحتاج إلى التراخي واعلم أن الإخفاء على ثلاث مراتب، يتوقف بيانها على تقديم مقدمة، وهي أن الغنة صفة النون الساكنة وأثرها الباقي عند إخفاء ذاتها فمعنى صغر إخفاء النون كبر أثرها الباقي، ومعنى كبر إخفائها صغر أثرها الباقي، إذ ذاتها معدومة عند الإخفاء على كل حال.
وحروف الإخفاء على ثلاث مراتب: أقربها مخرجا إلى النون ثلاث: الطاء والدال المهملتان والتاء المثناة الفوقية، وأبعدها القاف والكاف، والبواقي متوسطة في القرب والبعد
أقول (المرعشي) : وبالجملة إن مراتب الحروف ثلاث: فإخفاؤهما عند الحروف الثلاث الأول أزيد، وغنتهما الباقية قليلة، بمعنى أن زمان امتداد الغنة قصير. وإخفاؤهما عند القاف والكاف أقل وغنتهما الباقية كثيرة، بمعنى أن زمان امتدادها طويل. وإخفاؤهما عند بواقي الأحرف متوسط، فزمان غنتهما متوسط. ولم أر في مؤلف تقدير امتداد الغنة في هذه المراتب» [1] .
وقسم الدركزلي الإخفاء إلى كبير وصغير وذلك حيث قال: «الإخفاء نوعان، كبير وصغير أي غير تام. فالأول لا يكون إلّا عند القاف والكاف، والثاني عند ما عداهما من باقي الحروف المذكورة» [2] .
وتقسيم الإخفاء إلى مراتب سواء أمرتبتين كانت أم ثلاثا مقبول من الناحية الصوتية، وتؤيده الملاحظة الذاتية، لكن الأمر لا يزال بحاجة إلى أجهزة مختبر الصوت التي يمكن أن نتبين من خلالها درجات إخفاء النون عند حروف الإخفاء الخمسة عشر، وهذه الملاحظة لا تغض من قيمة ما قدّمه علماء التجويد في دراسة ظاهرة الإخفاء وغيرها من أحكام النون الساكنة، لأن الداسات الصوتية العربية المعاصرة لم تصل إلى المرحلة التي وصل إليها علماء التجويد في دراسة كثير من الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب.
إن علماء التجويد حين اختلفوا في حصر أحكام النون الساكنة والتنوين بين ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة لم يكن اختلافهم يتجاوز التقسيم الشكلي إلى الاختلاف في حقيقة فهم الظواهر الصوتية، فكان لكل واحد منهم وجهة نظر يعتمد عليها في حصر أحكام النون الساكنة
(1) جهد المقل 31و 31ظ.
(2) خلاصة العجالة 64ظ.