لا يقف على حقيقته إلا نحارير القراء ومشاهير العلماء.
وكان لاهتمام علماء التجويد بوصف تلك الظواهر الصوتية أثر في ترسيخ النطق الصحيح واجتناب بوادر اللحن الخفي التي وضع تحذير علماء التجويد منها حدا لجريانها على الألسنة وحال دون غلبتها، لأن ألسنة الناطقين تميل نحو السهولة والاقتصاد بالمجهود، ولو ترك الأمر من غير ضوابط لأدى تراكم تلك الانحرافات إلى تغير النطق العربي وابتعاده عن صورته الأولى التي كانت سائدة في وقت نزول القرآن الكريم، لكن جهود علماء القراءة في التلقي الشفوي، وجهود علماء التجويد في دراسة الأصوات العربية وتوضيح خصائص النطق الفصيح تكاملت مع جهود علماء العربية التي أدت مجتمعة إلى المحافظة على اللغة العربية حية، بعيدة عن التطور الصوتي الذي يؤدي إلى تغيير ملامحها الأساسية.
وكان تحليل علماء التجويد لتلك الظواهر الصوتية ينبني على معرفة تامة بخصائص الأصوات، وخبرة واسعة في طرائق النطق، فلم يكن اكتشاف تلك الظواهر الصوتية ورصدها وتوضيحها وتحذير الناطقين منها إلا دليلا على تلك المعرفة وهذه الخبرة، وهذا أمر ينتقل بالدرس الصوتي العربي إلى المستوى التطبيق العملي الذي لا تزال الدراسات الصوتية العربية الحديثة تفتقر إليه.
كانت عناية علماء التجويد الأوائل مثل مكي والداني وعبد الوهاب القرطبي متجهة إلى ظواهر الإدغام المتفق عليها بين القراء، خاصة إدغام لام التعريف، والنون الساكنة والتنوين، أما ما اختلف القراء في إدغامه فإنهم لم يتعرضوا له في كتب علم التجويد، إنما يذكره العلماء في كتب القراءات.
وظل ذلك منهج علماء التجويد في دراسة موضوع الإدغام، إلا أن بعض المتأخرين من علماء التجويد صاروا يشيرون إلى بعض ظواهر الإدغام المختلف فيها. وسوف ألخص وجهة نظر محمد المرعشي (ت 1150هـ) في هذا الموضوع، وهو يمثل رأى علماء التجويد المتأخرين في طريقة دراسة ظواهر الإدغام.
قال المرعشي: «واعلم أن بيان الإدغام على رأي أهل العربية مستوفى في كتب التصريف. والمقصود في هذه الرسالة بيان ما وقع في القرآن من الإدغام مما اتفقت القراء وأهل الأداء واختلفوا فيه، ولا نذكر من المختلف فيه إلا الإدغام الصغير، لأن الإدغام الكبير لم يقع في قراءة عاصم أصلا. وهنا فصلان:
الفصل الأول: في إدغام المثلين: