فهناك عدد من العلماء لا سيما من المتقدمين يشاركونه في ذلك، إلا أنه يمكن القول، بقدر ما يتيسر من معلومات، أن عبد الوهاب القرطبي انفرد باستخدام مصطلح شوائب الحروف.
وتكاد معظم الحالات التي رصدها علماء التجويد في موضوع الشوائب تندرج في الظواهر الصوتية التي لا يقرها الاستخدام اللغوي، حتى على مستوى اللهجات، وإنما اعتنى بها علماء التجويد حرصا منهم على تقديم صورة الصحيح، وتوضيح ما يمكن أن يشوب ذلك النطق من شوائب الانحراف، بسبب تجاور الحروف في الكلام المتصل وميلها إلى التماثل والاقتصاد بالمجهود، ومع ذلك فإن عناية علماء التجويد بمثل هذا النوع من الظواهر الصوتية يدل على عمق النظرة في فهم تلك الظواهر التي لو سمح لها بالظهور لأدت إلى تطور النطق العربي دون ضوابط واضحة ولا حدود مرسومة، ولتغير نطق القرآن الكريم، وهو ما جاهد علماء التجويد قرونا من أجل الحيلولة دون وقوعه، وتكلل جهدهم بالنجاح الذي نلمس مظاهره في النطق العربي الفصيح اليوم.
وبإمكان الدارس أن يقدم عشرات الأمثلة التي توضح عناية علماء التجويد بما يمكن أن ينتج عن تجاور الأصوات في الكلام، سواء من الظواهر الصوتية المعترف بها في مستوى اللغة الفصيح أم من الظواهر التي تعد من باب اللحن الذي هو في حقيقته تغير صوتي يخضع لقوانين صوتية معينة، وسوف أكتفي هنا بإيراد عدد من الأمثلة مبوبة حسب نوع الشائبة الصوتية، أي الصفة التي أثرت في الصوت المجاور، مثل الجهر والهمس، والإطباق والانفتاح، والأنفية.
نقلنا في صدر المبحث الأول من هذا الفصل مقولة الداني في تأثير الأصوات المجهورة في المهموسة والمهموسة في المجهورة إذا تجاورت [1] . وهو أمر لا شك فيه، وتؤيده الدراسات الصوتية الحديثة [2] . وهذه أمثلة لتأثر الأصوات المهموسة بمجاورة الأصوات المجهورة، مما لاحظه علماء التجويد:
1 -س ج ز ج، قال مكي: «وإذا سكنت السين وأتت بعدها جيم، وجب بيان السين، لئلا يذهب اللفظ بها إلى الزاي، لأن الزاي بالجيم أشبه من السين بالجيم، لأن السين مهموسة والجيم مجهورة، والزاي مجهورة فهي بالجيم أشبه، وهي من مخرج السين، فاللفظ
(1) انظر ص 388 من هذا البحث.
(2) انظر: إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية ص 183.