ويفهم من النصوص السابقة أن الترتيل يستخدم مرادفا للتحقيق، فبعض علماء التجويد يستخدم التحقيق في مقابل الحدر، وبعضهم يستخدم الترتيل في مقابل الحدر. وأما التدوير فللتوسط بين المنزلتين. وقد قال أبو العلاء الهمذاني العطار بعد أن ذكر مذاهب القراء في كيفية القراءة: «ومن بعد فاعلم أن هذه الأوجه التي ذكرناها تؤول إلى ضربين: أحدهما التحقيق، والآخر الحدر» [1] .
أما التحقيق فهو «مصدر من حققت الشيء، أي عرفته يقينا. والعرب تقول: بلغت حقيقة هذا الأمر، أي بلغت يقين شأنه. والاسم منه الحق، فمعناه أن يؤتى بالشيء على حقه من غير زيادة فيه ولا نقصان منه» [2] .
ومعنى التحقيق في الاصطلاح هو كما يقول الداني (ت 444 هـ) : «التحقيق الوارد عن أئمة القراءة حده أن توفّى الحروف حقوقها من المد إن كانت ممدودة، ومن التمكين إن كانت ممكنة، ومن الهمز إن كانت مهموزة، ومن التشديد إن كانت مشددة، ومن الإدغام إن كانت مدغمة، ومن الفتح إن كانت مفتوحة، ومن الإمالة إن كانت ممالة، ومن الحركة إن كانت متحركة، ومن السكون إن كانت مسكنة، من غير تجاوز ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف.
على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. فأما ما يذهب إليه بعض أهل الغباوة من أهل الأداء من الإفراط في التمطيط، والتعسف في التفكيك والإسراف في إشباع الحركات وتخليص السواكن إلى غير ذلك من الألفاظ المستبشعة والمذاهب المكروهة فخارج عن مذاهب الأئمة وجمهور سلف الأمة. وقد وردت الآثار بكراهة ذلك وبكيفية حقيقته» [3] .
وقد أكد الداني هذا المعنى في كتاب آخر من كتبه حيث قال: «ينبغي لمن أخذ نفسه من القراء بالتحقيق أن لا يفرط في ذلك، وأن يكون جميع ما يلفظ به من الممدود والممكن والمدغم والمظهر والمهموز والمشدد والمسكن وإشباع الحركات وغير ذلك على وزن ومقدار، ولا يجاوز به الحد الذي علم من مذاهب الأئمة، ولا يتعدى في ذلك المنهاج والطريق الذي عليه الأكابر من علماء هذه الصناعة، فإن استعمل خلاف ما ذكرناه وأفرط في
(1) التمهيد 88 و.
(2) التحديد 2 ظ 3 و. وانظر: ابن الجزري: النشر 1/ 205، وابن منظور: لسان العرب 11/ 333 حقق.
(3) التحديد 9 و.