أدركوا بالملاحظة الذاتية جوانب كثيرة من خصائص الأصوات دلت على عمق النظرة والمواظبة على البحث من أجل اكتشاف أسرار الصوت الإنساني.
من الجوانب الأساسية في إنتاج الأصوات اللغوية تحديد درجة انفتاح مخرج الصوت أثناء مرور الهواء به، لأن ذلك من العوامل المؤثرة في تنوع الأصوات واختلاف جروسها.
وعلماء الأصوات، سواء منهم علماء العربية وعلماء التجويد المتقدمون، أو علماء الأصوات المحدثون يقسمون الأصوات تبعا لهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
1 -الصوت الرخو [1] ، ويسميه المحدثون الاحتكاكي.
2 -الصوت الشديد، ويسميه المحدثون الانفجاري.
3 -الصوت المتوسط.
وسوف أتبع في مناقشة هذا الموضوع المنهج الذي اتبعته في مناقشة موضوع الجهر والهمس. فأعرض أولا رأي علماء الأصوات المحدثين، ثم أورد رأي سيبويه وعلماء العربية من بعده، وأخيرا أذكر رأي علماء التجويد، مركزا على الاتجاهات الجديدة لديهم في الموضوع، مبينا موقعها من الدرس الصوتي الحديث.
فالصوت الشديد (الانفجاري) لدى علماء الأصوات المحدثين هو الذي ينحبس مجرى النفس المندفع من الرئتين لحظة من الزمن في مخرجه، وذلك بالتقاء عضوين من أعضاء آلة النطق، ثم ينفصل العضوان فيندفع الهواء المحبوس فجأة محدثا صوتا، انفجاريا، مثل الباء والتاء والدال وغيرها.
والصوت الرخو (الاحتكاكي) هو الذي لا ينحبس الهواء في مخرجه حبسا تاما، وذلك بأن يضيق مجرى النّفس باقتراب عضوين من أعضاء آلة النطق نحو بعضهما في مخرج الحرف، دون أن يقفلا المجرى، فيحدث النّفس في أثناء مروره بمخرج الصوت حفيفا مسموعا تختلف نسبته تبعا لنسبة ضيق المجرى. وذلك مثل صوت السين والزاي والحاء وغيرها.
أما الأصوات المتوسطة فهي التي يجد النّفس له فيها منفذا يتسرب منه إلى الخارج على الرغم من التقاء العضوين في مخرج الصوت المنطوق، وذلك مثل اللام والميم والنون
(1) قال أبو الفتوح الوفائي (الجواهر المضية 26ظ) : «والرخوة بتثليث الراء والكسر أشهر» ، وما جاء في لسان العرب لابن منظور (19/ 28رخو) يؤيد هذا القول.