والمرعشي يشير بذلك إلى أن إنتاج الصوت المهموس يحتاج إلى كمية من هواء النفس أكثر مما يحتاج إليه إنتاج الصوت المجهور. ويلاحظ ذلك في نطق الذال والثاء مثلا، فنقول:
إذ، ونمد الصوت، ونقول: اث ونمد الصوت، فنشعر بوضوح إلى الحاجة إلى نفس قوي في الثاء بينما نحتاج إلى أقل من ذلك في الذال، وهكذا في كل مجهور ومهموس.
وهذه ملاحظة يؤيدها علماء الأصوات المحدثون، فقد قال الدكتور محمود السعران:
«ومما هو جدير بالملاحظة أن الصوامت المهموسة يحتاج نطقها إلى قوة من إخراج النّفس (الزفير) أعظم من التي يتطلبها نطق الصوامت المجهورة. ويمكن أن نلمس هذا الفارق في قوة النّفس إذا بسطنا الكف أمام الفم ونحن ننطق صامتا مهموسا متلوا بنظيره المجهور مثل ث، ذ / ت، د / س، ز الخ» [1] .
ويمكن أن نضيف إلى ذلك وسيلة ثانية تؤكد حاجة الصوت المهموس إلى نفس أقوى من حاجة الصوت المجهور، وهي أن يملأ الناطق رئتيه هواء ثم ينطق صوتا مهموسا مثل اس أو اث ويمد الصوت حتى ينفد الهواء، ثم يعيد ملء رئتيه هواء وينطق صوتا مجهورا مثل از أو اذ ويمد الصوت حتى ينفد الهواء، فسنجد أن مدة نطق الصوت المجهور قد تصل إلى ضعف مدة الصوت المهموس، إذا حاول نطقهما بطريقة واحدة، وهو أمر يؤكد فعلا ما قرره محمد المرعشي وأيدته الدراسة الصوتية الحديثة من أن المهموس يحتاج إلى نفس أكثر من المجهور.
وربما تكون هذه الظاهرة مرتبطة بحقيقة لاحظها علماء التجويد وأيدتها أيضا الدراسات الحديثة، وهي أن المجهور أوضح في السمع من المهموس، وذلك راجع إلى النغمة التي تتولد من ذبذبة الوترين الصوتيين، وهو ما يفتقده الصوت المهموس وزيادة دفع الهواء من الرئتين لزيادة لزيادة وضوحه السمعي.
تلك هي جهود علماء التجويد في دراسة ظاهرتي الجهر والهمس، وهي تمثل مرحلة بين ما قاله سيبويه وعلماء العربية وما توصل إليه المحدثون من دور الوترين الصوتيين في ذلك، وقد أدرك علماء التجويد كل خصائص الصوت المجهور والصوت المهموس إلا أنهم لم يتوصلوا إلى معرفة الوترين الصوتيين وتحديد دورهما في ظاهرتي الجهر والهمس، وليس كثيرا ألا يتوصلوا إلى ما لم يتوصل إليه المحدثون إلا بالوسائل الآلية الدقيقة. فيكفيهم أنهم
(1) علم اللغة ص 164.