إذا وقعت النون الساكنة قبل الباء تتأثر بها، ويتغير نطقها، ولكن لا يصل ذلك التأثر إلى حد الفناء التام في الباء، إنما تنقلب النون إلى صوت وسط بينها وبين الباء، وهو الميم، فهو من مخرج الباء، ويشارك النون في الغنة وهذا أمر قرره علماء العربية منذ سيبويه، الذي قال:
«وتقلب النون مع الباء ميما» [1] .
وتحدث علماء التجويد عن ذلك، واهتموا بالجوانب المتعلقة بالأداء فيه، قال الداني:
«والحال الثالثة أن يقلبا ميما من غير إدغام، وذلك إذا لقيا الباء، نحو {أَنْ بُورِكَ} [النمل: 8] ، و {أَنْبِئْهُمْ} [البقرة: 33] ، و {جُدَدٌ بِيضٌ} [فاطر: 27] ، و {ظُلُمََاتٌ بَعْضُهََا} [النور: 40] ، وما أشبهه. وإنما قلبا ميما عندها خاصة من أجل مؤاخاة الميم للنون في الغنة ومشاركتها للباء في المخرج فقلبا ميما من أجل ذلك» [2] .
وقال مكي: «ولا تشديد في هذا، والغنة ظاهرة فيه في نفس الحرف الأول، لأنك أبدلت من حرف فيه غنة حرفا آخر فيه غنة، وهو الميم الساكنة. فالغنة لازمة للمبدل والمبدل منه في نفسه، فلا بد من إظهارها في هذا على كل حال.
والعلة في إبدال النون الساكنة والتنوين ميما عند الباء أن الميم مؤاخية للباء، لأنها من مخرجها، ومشاركة لها في الجهر والشدة. وهي أيضا مؤاخية للنون في الغنة والجهر. فلما وقعت النون قبل الباء، ولم يمكن إدغامها فيها لبعد المخرجين، ولا أن تكون ظاهرة لشبهها بأخت الباء وهي الميم، أبدلت منها ميما لمؤاخاتها النون والباء» [3] .
وإذا قلبت النون عند الباء ميما، ويسميه بعض العلماء إبدالا [4] ، صار لها حكم جديد، هو حكم الميم إذا لقيت الباء، فإن {أَنْ بُورِكَ} تصير (أم بورك) . قال عبد الوهاب القرطبي:
«ثم بعد قلبها ميما يتحول اللفظ إلى الإخفاء، لأن حظ الميم إذا سكنت أمام الباء الإخفاء، وغنة النون والميم عند الباء تشتبه، فلا يوجد في اللفظ فرق بين قوله {أَمْ بِظََاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ}
[الرعد: 33] ، {أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] ، وبين قوله {أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [نوح: 17] ،
(1) الكتاب 4/ 453. وانظر: المبرد: المقتضب 1/ 218.
(2) التحديد 22و.
(3) الرعاية ص 240. وانظر: الكشف 1/ 165.
(4) ابن الباذش: الإقناع 1/ 257. وابن الطحان: مرشد القارئ 133ظ.