وكان علماء التجويد قد أدركوا أن الحركات وحروف المد تتعرض للزيادة والنقص في طولها عند ما تكون في التركيب، فدرسوا ذلك وحددوا مواضعه، وبحثوا في علله وأسبابه، وحذروا من عوارضه وشوائبه. وكان من ذلك ما هو خاص بالحركات وما هو خاص بحروف المد. على نحو ما يتضح من العرض الآتي.
الحركات الرئيسة في العربية ثلاث: الفتحة والضمة والكسرة. ولها في النطق مقدار يجب على الناطق أن يراعيه من غير زيادة ولا نقصان. وقد مضى في صدر هذا المبحث من النصوص التي أكد فيها علماء التجويد على العناية بحفظ مقادير الحركات بلا توهين يؤدي بها إلى السكون ولا إشباع يؤول بها إلى التمطيط حتى تصير الحركة حرفا.
وقد لاحظ علماء التجويد أن الحركات يلحقها في التركيب من التغيير ما يؤدي إلى حذفها أو تقصيرها، فتحدثوا عن هذه الظاهرة وحددوا مواضعها، وميزوا بين درجاتها، وكان قد سبقهم إلى كثير من ذلك علماء العربية منذ زمن سيبويه، إلا أننا حين ننظر في جهود علماء التجويد في هذا المجال نجدها تتميز ببعض النظرات الشاملة التي تدرك العلاقة بين الظواهر، كما تتميز بدقة التحليل، وعمق إدراك الظواهر.
ومن النصوص المتميزة لدى علماء التجويد التي عالجت ما يلحق الحركات في التركيب من التقصير الفصل الذي كتبه ابن الطحان (ت حوالي 560هـ) في كتابه (مرشد القارئ) وجعل عنوانه (فصل في حدود الحركات والسكون) وقال فيه:
«الحركات ثلاث: رفع ونصب وخفض، فحق كل حرف تحرك بأحدها أن يلفظ به ممكنا من مخرجه، معتمدا عليه في مدرجه حتى يحكي بجميع صفته وتمام حركته، معتدلة في الوزن الحسن، يعتمد بعد أدائها حتى يوجب الاعتماد والخروج عن الحد حدوث حرف يقوم عن ذاتها، فبإشباع الفتحة يحدث الألف، وبإشباع الضمة يحدث الواو، وبإشباع الكسرة تحدث الياء.
وتنقسم الحركات الثلاث المذكورة على (أربع) [1] درجات:
الدرجة الأولى: الكمال، وهو الحركة التي ذكرناها، حتى يصرفها عن ذلك صارف.
الدرجة الثانية: الاختلاس، وقد حددناه وذكرنا أن حركته تامة في الوزن تمام حركة
(1) في الأصل (ثلاث) ، لكن الذي يناسب السياق هو (أربع) .