فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 513

من غير أن تتناقض مع مذاهب غيره من العلماء، كما يتضح من العرض السابق لآرائهم. وهذه محاولة لإعادة النظر في مذاهب علماء التجويد في حصر أحكام النون الساكنة من حيث التقسيم لا من حيث المادة، ثم محاولة اختيار المذهب الأكثر انسجاما مع حقائق الدرس الصوتي.

وهذه المحاولة تعتمد على فهم معين لنطق صوت النون، هذا الفهم يقوم على أساس أن نطق النون يتميز بكون طرف اللسان يعتمد على اللثة فينسد مجرى النفس عبر الفم، فيتحول إلى الخيشوم، فتحصل الغنة التي هي جوهر صوت النون مع ما يصاحب ذلك من دوي يحصل في الفم. وحين تتجاور النون ساكنة مع بقية الحروف فإنها تتأثر بها، ولذلك التأثر درجتان:

تأثر كامل وناقص، فإذا انحصر التأثر بزوال معتمد طرف اللسان على اللثة وانتقل صوب مخرج الصوت الآتي بعد النون مع بقاء جريان النفس من الألف، وهو صوت الغنة، فالتأثر حينئذ ناقص. وإذا امتد التأثر إلى وقف جريان النفس من الأنف، وهو يعني زوال الغنة، إلى جانب زوال معتمد اللسان من موضع النون فإن التأثر حينئذ كامل، فينقلب صوت النون إلى جنس الصوت الآتي بعده ويدغم فيه إدغاما محضا. وهذا كله مقرر في كلام علماء التجويد، مؤيد بنتائج الدرس الصوتي الحديث، ولكن الأمر الذي تباينت فيه كلمة علماء التجويد هو في استخدام المصطلحات وفي نسبة الأصوات إلى كل حالة من أحوال النون الساكنة، على نحو ما ذكرنا في أول الكلام عن هذا الموضوع.

وتتلخص هذه المحاولة في تقسيم أحكام النون الساكنة والتنوين إلى ثلاثة أحكام، وهي: الإظهار والإخفاء والإدغام. فإذا حافظت النون على معتمدها في الفم مع بقاء الغنة من الأنف كان إظهارا، وإذا زال معتمدها في الفم مع بقاء الغنة من الأنف كان إخفاء وإذا زال معتمدها مع زوال الغنة كان إدغاما. وهذه نظرة ذهب إليها بعض علماء التجويد، وقد نسبها زكريا الأنصاري إلى الجعبري [1] . وقال علي القاري: «وقد قال بعض المحققين في أحكام النون الساكنة والتنوين: التحقيق أنها ثلاثة: إظهار، وإدغام محض وغيره وسبق بيانه، وإخفاء مع قلب ودونه» [2] .

وما نذهب إليه يختلف جزئيا مع ما ذهب إليه الجعبري ونقله علي القاري، وذلك في

(1) تحفة نجباء العصر ص 2.

(2) المنح الفكرية ص 4544.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت