حديثنا عن ابن مجاهد، ومن ذلك أيضا قوله: «وهذا مذهب ابن مجاهد فيما حدثنا به الحسين بن علي، عن أحمد بن نصر، عنه، قال: والميم لا تدغم في الباء لكنها تخفى، لأن لها صوتا في الخياشيم، تواخي به النون الخفيفة» [1] .
وإنما اكتفيت بالحديث عن هؤلاء الأربعة، مع ما تقدم من كلامنا عن أبي مزاحم في الفصل الأول، من مجموع من ذكرهم الداني، وهم ستة وعشرون، لأني وجدت عن هؤلاء الأربعة روايات توضح جانبا من نشاطهم في الدرس الصوتي أكثر مما وجدت عمن سواهم، كما أني وجدت الداني نفسه يكثر من ذكرهم في كتابه (الإدغام الكبير) ، قال مرة: «واختلف أهل الأداء في قوله في غافر (وإن يك كاذبا) فكان ابن مجاهد وابن المنادى يختاران فيه الإظهار» [2] . وقال وهو يتحدث عن منع إمالة الألف قبل الراء في مثل (النهار) : «وهذا مذهب ناس من البصريين النحويين، وقوم من أهل الأداء المتصدرين، منهم أبو الحسين بن المنادى، وأحمد بن نصر الشذائي، ومحمد بن عبد الله بن أشتة، والحسين بن محمد بن حبش الدينوري وقال آخرون وهم الأكثر الإمالة ثابتة» [3] .
وينبغي أن أشير هنا إلى أن الوثيقة التاريخية الموجودة أمامنا، وهي الفصل الذي نقلناه عن (المنبهة) جاءت عن عالم خبير متخصص في هذا الشأن، وكان قد كتب كتابا مستقلا في طبقات القراء [4] ، فاتنا بفقدانه علم كثير، ولم يبق منه إلا روايات تضمنتها بعض الكتب لا سيما (معرفة القراء) للذهبي، و (غاية النهاية) لابن الجزري.
والنتيجة التي نستخلصها مما ذكره الداني في (المنبهة) عن أهل الأداء، ومن النصوص التي أوردناها عن بعض من ذكرهم الداني هي أن النشاط المتعلق بعلم التجويد لم ينقطع في تلك الفترة الفاصلة بين ظهور قصيدة أبي مزاحم الخاقاني وظهور أول كتاب في علم التجويد بعدها، وما النصوص والروايات التي ذكرناها عن ابن مجاهد وابن المنادى وابن أشتة والشذائي إلا دليل أكيد ومعلم بارز من معالم ذلك النشاط، وغاية ما في الأمر أن ذلك النشاط غابت عنا تفصيلاته وحجبت عنا مؤلفاته.
(1) المصدر نفسه 40ظ 41و. وانظر أيضا: 22ظ، 23و، 24و.
(2) الإدغام الكبير 13و.
(3) المصدر نفسه 20ظ.
(4) انظر: ابن خير: فهرسة ابن خير ص 72، والذهبي: معرفة القراء 1/ 326، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 505.