في دقة ما ذهب إليه، فقال في آخر تعليقه على قول ابن الحاجب في الشافية (وإلا فلكل مخرج) : «إن اختلافها قد يحصل مع اتحاد المخرج بسبب اختلاف وضع الآلة من شدة الاعتماد وسهولته وغير ذلك، فلا يلزم أن يكون لكل حرف مخرج» [1] .
وانتقد علي القاري (ت 1014هـ) ذلك المذهب، وقرر أن الصواب هو ما ذهب إليه الجمهور، فقال معلقا على قول من قال: (التحقيق أن لكل حرف مخرجا مخالفا لمخرج الآخر، وإلا لكان إياه) : «قلت: هذا التعليل بعيد من التحقيق فإن الجمهور من أرباب التدقيق جعلوا لحروف متعددة مخرجا واحدا بناء على أنّ التمييز حاصل باعتبار اختلاف الصفات، وإن كان الاتحاد باعتبار الذوات» [2] .
وحاول محمد المرعشي التقريب بين ما ذهب إليه ابن الحاجب من أن كل حرف له مخرج، وما ذهب إليه الجمهور من أن مخارج الحروف ستة عشر أو سبعة عشر، فيشترك في بعض المخارج أكثر من حرف، وذلك بتقسيم المخارج إلى مخارج كلية ومخارج جزئية، فقال وهو يتحدث عن عدد مخارج الحروف: «اعلم أن في عددها اختلافا بين العلماء، والمختار عند الجمهور أنها سبعة عشر، بعضها كلي منقسم إلى مخرجين جزئيين أو أزيد، وبعضها جزئي غير منقسم، فلكل حرف مخرج جزئي، كما قاله الرضي، والمخارج السبعة عشر متمايزة تمايزا بينا، بخلاف المخارج الجزئية المشتركة في مخرج كلي من هذه السبعة عشر» [3] .
ومحاولة المرعشي هذه قد تنطبق على بعض المخارج مثل مخرج (ج ش ي) ومخرج (ب م و) للتباين الكبير في طريقة نطق كل مجموعة، ولكن من غير اليسير تطبيقها على مخرج (ط د ت) ومخرج (ص س ز) وذلك لأن أصوات كل مجموعة متقاربة جدا ولم يميز بينها إلا الاختلاف في صفة واحدة. وقد قال المرعشي عن (ط د ت) : «الكل متشاركة في المخرج والشدة، ويفترق الطاء عن الدال بالإطباق ويفترق الدال عن التاء بالهمس فقط، فلولا الجهر لكانت تاء، ولولا الهمس في التاء لكانت دالا» [4] .
(1) شرح الشافية 3/ 251.
(2) المنح الفكرية ص 9.
(3) جهد المقل 5و.
(4) جهد المقل 19ظ.