ونخرج من هذا الكلام بنتيجة خلاصتها أن الأصوات التي تخرج من مخرج واحد يمكن أن ترتب في داخل ذلك المخرج على أساس أن الصوت المهموس يكون متقدما نسبيا على الصوت المجهور، وأن الصوت المنفتح يكون متقدما على الصوت المطبق. وذلك التمايز بين أصوات المخرج الواحد يكون جزئيا ودقيقا بحيث لا يحمل الدارس على جعل مخرج مستقل لكل صوت من تلك الأصوات المشتركة في مخرج واحد.
ويبدو أن تلك الظاهرة هي التي جعلت المرعشي يذهب إلى تقسيم المخارج إلى مخارج كلية ومخارج جزئية [1] . وسار على هذا المبدأ في كلامه على مخارج الحروف العربية، فقال عن المخرج الأول: «أقصى الحلق يخرج منه همزة فهاء، أعني أنه ينقسم إلى مخرجين متقاربين يخرج من أولهما مما يلي الصدر الهمزة، ومن ثانيهما الهاء. وهكذا الفاء الداخل على الحروف فيما سيأتي يدل على الترتيب في المخارج الجزئية الداخلة في مخرج كلي» [2] .
فإذا صح ما ذهبنا إليه في تفسير كلام المرعشي أمكننا القول بأن اختلاف علماء التجويد في ترتيب الحروف التي هي من مخرج واحد مثل العين والحاء، والغين والخاء، ليس وهميا، بل هو مبني على ملاحظة دقيقة جدا لحالة تلك الأصوات في مخارجها. والدليل على ذلك ما لاحظناه في نطق (ظ ذ ث) . ويمكن أن نجري القاعدة السابقة في ترتيب أصوات المخرج الواحد على جميع أصوات المخارج الأخرى، وأن نقول أن من ذهب إلى أن العين مقدم على الحاء، وأن الغين مقدم على الخاء فإن قوله هذا مبني على أساس صوتي صحيح، وعسى أن تثبت التجارب في مختبرات الصوت صحة ما ذهب إليه بعض علماء التجويد في هذا الموضوع.
أما تقديم الهمزة على الهاء، وهما تخرجان من أقصى الحلق (الحنجرة) ، وهو أول المخارج، فلعله مبني على أساس أن الهمزة حرف شديد (انفجاري) وهو بذلك آني غير ممتد، وأن الهاء حرف رخو (احتكاكي) ، وهو بذلك يكون زمانيا ممتدا، فالهمزة تنتج بانطباق الوترين الصوتيين ثم انفراجهما بعد حصر النّفس خلفهما لحظة، بينما تنتج الهاء بتباعد الوترين، فيتسرب الهواء خلال فتحة المزمار، ولا بد حينئذ من تكلف إظهار الهاء بدفع النفس بقوة خلال الفتحة الكائنة بين الوترين، حتى يحدث الحفيف الذي يمكن أن تسمع به الهاء [3] .
(1) جهد المقل 5و.
(2) جهد المقل 7و.
(3) انظر: إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية ص 89، وكمال محمد بشر: الأصوات ص 156.