فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 513

فعل مكي بن أبي طالب الذي يفهم من كلامه أنه يناقش قضية تاريخية تتلخص في معرفة أيهما كان أسبق في الاستخدام اللغوي الحروف أم الحركات؟ وهو يرجح أن الحروف والحركات لم يسبق أحدهما الآخر في الاستعمال [1] . ويبدو لي أن مناقشة الموضوع على هذا النحو تشبه الكلام عن نشأة اللغة في عدم جدواها من ناحية الدرس اللغوي.

أما عبد الوهاب القرطبي فإنه اقتفى أثر ابن جني في مناقشة الموضوع، واستدل بأدلته [2] . وهي معروفة منذ أن تداول الدارسون المحدثون كتاب (سر صناعة الإعراب) بعد طبع الجزء الأول منه. لكن عبد الوهاب القرطبي ختم كلامه عن الموضوع بملاحظة دقيقة استدل بها على أن الحركة تحدث مع الحرف. فهو بعد أن نقل ما ذكره ابن جني من مذهب أبي علي الفارسي إلى أن الحركة تحدث مع الحرف، قال مؤيدا هذا المذهب:

«ومما يبينه أيضا أن الحركات الثلاث إنما عملهن بالفم، فإذا ضممته حدث الضم، وإن كسرته حدث الكسر، ومتى فتحته حدث الفتح، وفي حال تحريك الحرف بالضم يكون اللافظ به قاطعا للصوت على مخرج الحرف وضاما شفتيه معا في حالة واحدة، من غير أن يتخلل بينهما زمان محسوس. وكذلك في حال كسر الحرف يكون كاسرا بفمه مع قطع الصوت على مخرج الحرف المكسور. وكذلك في حال الفتح يكون قاطعا للصوت على مخرج الحرف مع فتح فمه من غير فصل بينهما. وهذا دليل على أن الحركة تحدث مع الحرف المتحرك من غير تقدم عليه ولا تأخر عنه» [3] .

ولا شك في أن ملاحظة عبد الوهاب القرطبي السابقة صحيحة ودقيقة، فلو تأملنا حالة أعضاء النطق عند التلفظ بهذه الكلمات: قرب، وقول، وقسم. لوجدنا أن شكل أعضاء النطق عند بداية التلفظ يختلف في كل كلمة عنه في الكلمة الأخرى، على الرغم من أن الكلمات الثلاث تتفق في البدء بصوت القاف. فحين تنطق الكلمة الأولى نجد أن الناطق يضم شفتيه في ذات الوقت الذي يبدأ بنطق صوت القاف، بينما يفتح شفتيه في الكلمة الثانية، ويكسر هما في الكلمة الثالثة. وهذا أمر يؤيد ما ذكره عبد الوهاب القرطبي في النص السابق. ولكني أعتقد أن ذلك لا يدل على أن الحركة تحدث مع الحرف بقدر ما يدل على شدة اتصال الحركة بالحرف

(1) الرعاية ص 8077. وقد أخذ هذه الفكرة عن مكي كل من: ابن الجزري: التمهيد ص 2019 والقسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 187186.

(2) الموضح 151و 151ظ.

(3) الموضح 151ظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت