التقاء الصفين، ولا شك كذلك في أن الذنوب هي من أسباب تأخر النصر، يقول الله جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) .. الآية. قال ابن كثير: أي ببعض ذنوبهم السالفة. واعلم هدانا الله وإياك أنه يتحتم على كل مسلم أن يجاهد نفسه على ترك الذنوب والمعاصي، ويجاهدها كذلك على فعل الطاعات لتتم له الهداية إلى سبل الله سبحانه وتعالى التي تتضمن الجهاد في سبيل الله كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) ، وفي قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ، فمن لا يقوى على مجاهدة الشيطان ودفع وساوسه، وعلى مجاهدة نفسه على ترك الشهوات والابتعاد عن الشبهات، فأنى له أن يقوى على جهاد أعداء الله من المنافقين والكافرين، وما أجمل ما قاله العلامة ابن قيم الجوزية في ذلك حيث قال: (ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(( المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) )، كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وأصلا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجاهده ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج). أ. هـ، زاد المعاد 3/ ص5.
أو كما قال الشاعر:
من خان حي على الفلاح *** خان حي على الكفاح
وأنصح السائل الكريم بالرجوع إلى المصدر والإطلاع على بقية كلامه رحمه الله لما فيه من الدرر النفيسة في هذا الموضوع.
وأما قولك"لن تكون الاستقامة إلا بين المجاهدين"وقولك"وكنت أعلم أن السعادة والهناء والعزة والكرامة والاستقامة على شرعه لن تكون إلا هناك"فنقول: لقد أصبت الحق بكلامك هذا من وجه وجانبته من وجه آخر، فأما قولك أن العزة والكرامة لا تكون إلا بالجهاد فهو حق لا مرية فيه، ويشهد له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) )فالذل والصغار الذي تعيشه الأمة الإسلامية ليس من سبيل لرفعه ودفعه إلا بالرجوع إلى الدين والجهاد في سبيل الله.