على وجوب الدعوة إلى الله عز وجل وأنها من الفرائض. والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله سبحانه وتعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، ومنها قوله سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، ومنها قوله جل وعلا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ، ومنها قوله عز وجل: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [القصص: 87] ، ومنها قوله عز وجل: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 67] ، ومنها قوله عز وجل: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [الشورى: 15] .
فيبين سبحانه أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه من المؤمنين هم الدعاة إلى الله. وهم أهل البصائر، والواجب كما هو معلوم هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والسير على منهاجه، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .
وصرَّح العلماء أن الدعوة إلى الله عز وجل فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين، وصارت الدعوة في حقهم سنة مؤكدة، وعملًا صالحًا جليلًا. وإذا لم يقم الناس بالدعوة على التمام صار الإثم عامًّا، وصار الواجب على الجميع، فعلى كل إنسان أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وقدرته، وبالنظر إلى الدعاة إلى المنهج الصحيح الصافي في هذا الزمان نجدهم قلة قليلة، لا يسدون حاجة الناس، وهذا يجعل الدعوة إلى المنهج الصحيح في حقهم فرض عين، كلٌ حسب طاقته، ولا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها.
ثانيًا: كتمان العلم محرم، فلا يجوز للعالم كتمان العلم الذي يحتاج الناس إليه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} [البقرة:159] وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 17] ، وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] . فكل علم يحتاج الناس إليه - لاسيما التوحيد ومسائله - يجب بذله لهم، حتى تتحقق الكفاية بذلك بوجود العلماء الربانيين الذين يوصلونه إلى الخلق.
ثالثًا: لابد أن نفرق بين العمل التنظيمي الحركي وبين الدعوة إلى دين الله عز وجل، فالأول من الممكن أن نتبع فيه السرية عند اشتداد المحنة، أما الدعوة إلى دين الله فلابد من تبليغها للناس وعدم كتمانها، وكذلك لابد أن نفرق بين المستضعفين الذين يخشى منهم عدم الثبات