أمّا سؤالك الثاني و هو من اقتيد إلى محاربة المجاهدين دون اختيار منه، فأقول لهذا الشاب المُكره أنّه لا يجوز له إستهداف المجاهدين و لو بطلقة واحدة و لا يجوز له ملاحقتهم، فإذا أُخذ هذا الشاب إلى جبهات القتال فهو بين أمرين إمّا أن ينحاز إلى المجاهدين فيفرّ لهم و هذا من أفضل القربات فإن مات حينها فنرجو له الثواب، قال تعالى:"وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا"، فإن لم يستطع فعليه أن يختبئ و لا يُشارك في المعركة روى مسلم في صحيحه من طريق أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم:"إنّها ستكون فتن، ألا ثمّ تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، و الماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، و من كانت له غنم فليلحق بغنمه، و من كانت له أرض فليلحق بأرضه". قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له إبل، و لا غنم، و لا أرض؟. قال:"يعمد إلى سيفه فيدقّ على حدّه بحجر، ثمّ لينج إن إستطاع النجاة، اللّهم هل بلّغت، اللّهم هل بلّغت". فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أُكرهت حتّى ينطلق بي إلى إحدى الصّفّين أو إحدى الفئتين، فيضربني رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلني؟. قال: يبوء بإثمه و إثمك، و يكون من أصحاب النّار"."
الشاهد من الحديث أنّ في قتال الفتنة أمر رسول الله صلّى الله عليه و سلّم أن يدقّ سيفه بحجر و لو أدّى ذلك إلى قتله هذا في قتال الفتنة، فكيف في قتال أهل التوحيد الّذين يريدون إعلاء كلمة الله تعالى، فهذا من باب أولى أن يدق رشاشه بحجر حتّى لا يُشارك الأعداء في قتالهم ضدّ المجاهدين، قال شيخ الإسلام إبن تيمية: و أمّا الإبتداء بالقتال في الفتنة فلا يجوز بلا ريب، و المقصود أنّه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يُقاتل، بل عليه إفساد سلاحه، و أن يصبر حتّى يُقتل مظلوما فكيف بالمُكره على قتال المسلمين مع الطّائفة الخارجة عن شرائع الإسلام كمانعي الزكاة و المرتدين و نحوهم، فلا ريب أنّ هذا يجب عليه إذا أُكره على الحضور أن لا يُقاتل و إن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفّهم ليُقاتل المسلمين، و كما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنّه لا يجوز له قتله باتّفاق، و إن أكرهه بالقتل فإنّه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلاّ يُقتل هو. إنتهى
هذا الشاب إن فعل ذلك ثمّ قُتل فيُبعث على نيّته لحديث عائشة المرويّ في الصحيحين و الّذي أوردته آنفا، و وجه الدلالة منه أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم ذكر أنّ الله يخسف بجيش يريد غزو الكعبة فيهلك أوّلهم و آخرهم و فيهم من ليس منهم، و هو القادر سبحانه أن يميّز بينهم، فكيف بالمجاهدين في سبيل الله تعالى؟ هل يجب عليهم أن يميّزوا بين