ليؤكل أوْ يُطْلَق أو حتى يَمُوت مِنْ غيرِ حَبْسٍ أو مَنْعِ أكلٍ أو شُرْبٍ، فهذا غير داخلٍ في مَوضُوعِنَا". أ. هـ [شكوى الطيور المحبوسة ص8] ."
ولذا يترجح لدينا -والله أعلم- أنه لا يجوز حبس الطيور لمجرد الزينة أو اللهو أو اللعب للكبار، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"عشر خصال من أعمال قوم لوط .."ثم عددها، فذكر منها:"واللعب بالحمام الطيارة". أ. هـ
وأما حديث: (لا سبق إلا في خفٍ أو حافر أو نصل أو جناح) فهو حديث موضوع، وضعه غياث بن إبراهيم للمهدي، وقيل وهب القاضي للرشيد. والثابت دون زيادة: (أو جناح) كما عند أحمد وغيره.
ولا يصح لمسلم عاقل تعذيب الطيور لأجل الاستمتاع بأنينها وتوجعها، فهي تتعذب وتتألم بالحبس في الأقفاص كما يتعذب ويتألم لذلك الإنسان، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) ، ولقد أحسن من قال على لسان العصفور:
الحبس ليس مذهبي *** وليس فيه طلبي
ولست أرضى قفصًا *** وإن يكن من ذهبِ!
وما يفهم ذلك إلا من ذاق مرارة الأسر والحبس، قال السَّفاريني رحمه الله:"لاَ يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ أَنَّ كَثْرَةَ تَرَنُّمِ الطُّيوُرِ عَلَى تَذَكُّرِهَا إلْفَهَا مِنْ الأَمَاكِنِ الشَّاسِعَةِ، وَالأَغْذِيَةِ النَّاصِعَةِ، وَالْقَرِينِ الْمُصَافِي، وَالْمَاءِ الْعَذْبِ الصَّافِي، وَالإِطْلَاقِ الرَّحِيبِ، وَمُخَالَطَةِ الْحَبِيبِ، مَعَ الْوَكْرِ الْمُشْتَهَى لَدَيْهَا، وَالأَغْصَانِ وَالْعُكُوفِ عَلَيْهَا."
وَيُعْجِبُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا حُبِسَ فِي قَلْعَةِ"جِلِّقِ"الْمَحْرُوسَةِ فَضَاقَ بِهِ الْخِنَاقُ، وَبَلَغَتْ مِنْهُ الرُّوحُ التَّرَاقِ، فَدَخَلَتُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَحَابِيسِ - وَكَانَ فِي الْحَبْسِ اثْنَانِ مِنْ «الدَّيْرَةِ» - فَقَالَ لِي الأَعْرَابِيُّ:"يَا سَيِّدِي: أَنَا أَقُولُ قَاتَلَ اللَّهُ حَابِسَ الطَّيْرِ فِي الأَقْفَاصِ! فَإِنَّهُ لِشَجْوِهِ وَغُرْمِهِ يَتَرَنَّمُ وَالْحَابِسُ لَهُ بِشَجْوِهِ وَعَذَابِهِ وَبِلْبَالِهِ يَتَنَعَّمُ، وَلَوْ عَرَفَ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْ اللَّهِيبِ النَّاشِئِ عَنْ فِرَاقِ الْإِلْفِ الْحَبِيبِ وَالْمَكَانِ الرَّحِيبِ لَكَانَ إلَى اُلْبُكَا وَالْوَصَبِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى التَّنَعُّمِ وَالطَّرَبِ، وَلَكِنْ هَانَ عَلَى الْخَلِيِّ مَا يَلْقَى الْمَلِيُّ". فَقُلْت لَهُ: وَمِنْ أَيْنَ عَرَفْت أَنْتَ هَذَا؟! فَقَالَ:"قِسْته عَلَى نَفْسِي، وَشَبَّهْت حَبْسَهُ بِحَبْسِي! بِجَامِعِ أَنَّ كُلاًّ مِنَّا نَشَأَ فِي الْفَلاَةِ الْوَاسِعَةِ، وَالأَقْطَارِ الشَّاسِعَةِ".