فهرس الكتاب

الصفحة 823 من 1233

ففرق بين ترك الذنب والتوبة منه، فالذي يقلع عن معصية ونفسه تراوده إليها ولا يزال يستمتع بذكرها ويستحسن لذتها؛ فهذا إن استمر في مجاهدة نفسه ولم يقع في ذنبه فهو مأجور تارك لما نهى الله عنه، ولكنه ليس تائبا، والبون بينهم شاسع. فالتائب شرطه الندم وتوجع القلب على ما اقترف في حق نفسه من أسباب العذاب والهوان والهم والغم، وإذا ما تذكر وقوعه في الذنب انكسرت نفسه وخشعت لمخالفتها سيدها ومولاها وتعرضها لأسباب غضبه ونقمته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الندم توبة".

وأظهر علامة للتائب كثرة الأعمال الصالحة، قال الله تعالى: (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) . وقال: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) .

واعلم أخي في الله أن باب التوبة مفتوح، وأن الله يقبلها من عبده ما دامت الروح في الجسد أو لم تطلع الشمس من مغربها، وأن الله عز وجل فضله عميم ورحمته واسعة وحلمه بالغ،"يمد يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويمد يده بالنهار ليتوب مسيء الليل"، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .

وأما ما يعين العبد على أن يأتي بالتوبة وأن تسخى بها نفسه: علمه ومعرفته بالله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، خاصة صفات الغضب والانتقام، وما أحل بالأمم السالفة حينما خالفوا أمره واقترفوا عظائم الذنوب والمعاصي، فهو سبحانه أهل أن يتقى ويخاف.

وأيضا معرفته بأجر التوبة وفوائدها، وأن الله شديد الفرح بها، وما أعده من الثواب عليها في الدنيا: من شرح الصدر، وحلاوة الإيمان وراحة البال بالطاعة، والبركة في المعيشة، والحياة الطيبة، وفي القبر: من أمن الفتان، وصحبة العمل الصالح، والمكوث في روضة من رياض الجنة إلى قيام الساعة، وفي الآخرة: من سهولة الموقف، والنجاة من المحاسبة والمعاتبة، وخفة الأحمال، وسرعة المرور على الصراط، ثم الاستقرار في نعيم لا يزول ولا ينقضي في الجنة التي لا يعلم كنهها إلا الله تعالى.

وأيضا مما يعين العبد على التوبة معرفته بعظيم مقت الله تعالى وغضبه عليه إن أصر على العصيان، وأن بطشه شديد، وأن عذابه أليم، وأنه أعد للعصاة الهوان والنكال في الدنيا: من ضيق العيش وحرج الصدر وكسف البال وزوال البركة والوحشة والهم والغم، وفي القبر: من تعذيب الملكين وصحبة العمل الخبيث والبقاء في حفرة من حفر النار إلى قيام الساعة، وفي الآخرة: من طول الموقف وصعوبته، وشدة الامتثال بين يدي الله تعالى للمحاسبة والمعاتبة، ففي الحديث:"كل سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت