وعليه؛ فإن اختل شرط من الشروط الثلاثة السابقة لا يعتبر القتيل شهيد معركة، فيغسل ويكفن ويصلى عليه، كالمبطون، والمطعون، والغريق، وكمن قتل دون عرضه، أو ماله، وغيرهم، فهؤلاء يسمون شهداء، ولكن لا يأخذون أحكام الشهيد، أما إن تحققت فيه الشروط السابقة فتجري عليه جميع أحكام الشهيد.
أما عن الحالة التي سألت عنها، فقد اختلف الفقهاء هل يعتبر المقتول شهيدا أم لا؟ لأنه لم يقتل بأيدي الكافرين، بل بيد إخوانه، وإن كانت بسبب مقاتلة الكفار، وقد اختلفوا على قولين:
القول الأول: أنه يعتبر شهيد معركة، وهذا قول الشافعية وقول للمالكية وقول للحنابلة.
والقول الثاني: أنه ليس بشهيد معركة، وهذا قول الحنفية والقول الثاني للحنابلة والقول الثاني أيضا للمالكية.
والقول الأول هو الأولى والأقرب للصواب، فيعامل معاملة الشهيد؛ لما روى أبو داود عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم، فضربه، فأخطأه، فأصاب نفسه بالسيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أخوكم يا معشر المسلمين"فابتدره الناس، فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه، فقالوا يا رسول الله أشهيد هو؟ قال: (نعم وأنا له شهيد) .
ولما روى مسلم أن عامر بن الأكوع بارز مرحبًّا يوم خيبر، فذهب يسفل له، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه، فلم يفرده النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهداء بحكم خاص.
هذا في الذي رجع عليه سيفه فطعن نفسه، فمن باب أولى من طعنه إخوانه؛ ولأنه شهيد في المعركة فأشبه ما لو قتله الكفار؛ ولأنه وإن لم يقتله العدو مباشرة، فإن قتالهم سبب في قتله.
ثانيًا: اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى أن المجاهد إذا قتل مسلما في المعركة خطأ أن عليه الدية، تحملها العاقلة. وكذا عليه صيام شهرين متتابعين إن لم يجد تحرير رقبة مؤمنة.
يدل على ذلك عموم قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] .