وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ومع ذلك) يعني ما تقرر لك من الأصل العظيم -وهو الإيمان بالقدر، وأنه أحد أركان الإيمان الستة، وما اشتملت عليه الأشياء الأربعة السابقة- يأتي بعد ذلك عدم منافاة القدر للشرع، وأنهما أخوان مصطحبان لا ينافي أحدهما الآخر، وأنه ما ضاق به صدرٌ إلا المبتدعة، نظروا بعين واحدة وأغضوا عينًا، أخذوا جانبًا من النصوص وتركوا جانبًا، وهدى الله أهل السنة والجماعة فنظروا بالعينين جميعًا وآمنوا بالشرع والقدر جميعًا.
(فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته) ومعصية رسله، فوجب الإيمان بشرعه وقدره جميعًا، بأن يؤمن أن هذا شرعه ويمتثله ويفعله، فإذا امتثل صار من أهل السعادة، والقدر لا حجة فيه، وهو تام وماض، ولا راد له، وسبق أن لا يكون الخلق على طريق واحد؛ بل أن يكون الخلق متفاوتين كما قال: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} كجنة ونار لتسكنا، وهو اللائق بجلاله، وسواه ليس بكمال.
ولا منافاة بين الشرع والقدر، فإنها ضاقت أعطان القدرية ولم تتسع للشرع والقدر جميعًا.
فالقدرية النفاة من المعتزلة وغيرهم أثبتوا الحكمة والشرع وغلوا فيهما ونفوا القدر أو بعضه وقالوا: إن الأمر والنهي بيد الإنسان، فإنها زعمت أنها إذا أثبتت القدر صارت معطلة للشرع.
وقابلها طائفة القدرية الجبرية، فغلبت جانب القدر وغلت فيه،