فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 310

أقول ـ وبالله التوفيق ـ: إنّ قوله: «ومن الأخطاء الشائعة أن الحديث لم يدوّن إلا بعد عمر بن عبد العزيز ... » خطا لا يعول عليه؛ لأن ما قاله علماء الحديث قاطبة في أولية التدوين هو اصطلاح لهم، ومرادهم به بداية عهد التدوين الجماعي، أما الصحيفة الصادقة، والصحيفة الصحيحة، فهما من قبيل الكتابة الإفرادية، وقد وجد في هذه الفترة من منع الكتابة، ومن أجازها، فالمسألة بين أخذ ورد، وبين مد وجزر، أما في عهد «عمر بن عبد العزيز» فقد استقر الأمر على الكتابة دون منازع، بأمر الخليفة العادل، وهاك مزيدا من البيان:

قد اعتبر علماء الحديث تدوين «عمر بن عبد العزيز» أول تدوين للحديث، وتناقلوا في كتبهم العبارة التالية:

«وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز» (3) أو نحوها.

(1) «الطبقات الكبرى» 2: 373.

(2) توجد نسخة من هذه الصحيفة بدار الكتب المصرية، رقم 1981 حديث.

(3) «تدريب الراوي» 1: 9، و «قواعد التحديث» 46، و «توجيه النظر» 6.

ويفهم من هذا أن التدوين الرسمي والجماعي كان في عهد «عمر بن عبد العزيز» أما تقييد الحديث، وكتابته إفراديا، وحفظه في الصحف والرقاع والعظام فقد مارسه الصحابة في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم ينقطع تقييد الحديث بعد وفاته ـ عليه الصلاة والسّلام ـ بل بقي جنبا إلى جنب مع الحفظ، حتى قيض للحديث من يودعه المدونات الكبرى.

وقد كانت نهاية القرن الأول الهجري، وبداية القرن الثاني خاتمة حاسمة لما كان من كراهة الكتابة من بعض العلماء، وإباحتها من بعض آخر، فقد امتنع عن الكتابة من كبار التابعين:

«عبيدة بن عمرو السلماني المرادي» ـ 72 ه‍، و «إبراهيم بن يزيد التيمي» ـ 92 ه‍، و «جابر بن زيد» ـ 93 ه‍، و «إبراهيم النخعي» ـ 96 ه‍ (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت