وجرى على الاحتجاج بالحديث العلماء حتى عصرنا الحاضر، منهم المرحوم الأستاذ طه الراوي (1) ، فقد كان يذهب إلى الاحتجاج بما صح منها دون قيد ولا شرط، ويعرض للذين اعترضوا بوجود أعاجم في رواة بعض الأحاديث فيقول: «والقول بأن في رواة الحديث أعاجم ليس بشيء، لأن ذلك يقال في رواة الشعر والنثر اللذين يحتج بهما، فإن فيهم الكثير من الأعاجم، وهل في وسعهم أن يذكروا لنا محدّثا ممن يعتد به أن يوضع في صفّ «حماد الراوية» الذي كان يكذب ويلحن ويكسر، ومع ذلك لم يتورع الكوفيون، ومن نهج منهجهم عن الاحتجاج بمروياته، ولكنهم تحرجوا في الاحتجاج بالحديث ...
(1) هو أديب، باحث، عراقي، من أعضاء المجمع العلمي بدمشق، ولد سنة 1307 هفي «رواة» ، وهي قرية مشرفة على الفرات، وتوفي بغداد سنة 1365 ه. «الأعلام» 3: 232.
ثم لا أدري لم ترفّع النحويون عما ارتضاه اللغويون من الانتفاع بهذا الشأن، والاستقاء من ينبوعه الفياض العذب الزلال، فأصبح ربع اللغة به خصيبا بقدر ما صار ربع النحو منه جديبا:
وكان حالهما في الحكم واحدة ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم (1)
قال الدكتور «محمد محمد أبو شهبة» في كتابه «دفاع عن السنة» ص: 32: « .. من اطلع على منهج المحدثين في النقد، وطريقتهم في التعديل والتجريح، ومبالغتهم في التحري عن معرفة حقيقة الراوي، وطوية نفسه، والأخذ بالظنة والتهمة في رد مروياته يكاد يجزم بأن تجويز الكذب على الراوي المستجمع للشروط أمر فرضي، واحتمال عقلي، وهذه الحقيقة قد تبدو لبعض من لم يدرس كتب الرجال والنقد عند المحدثين، فيها شيء من المغالاة، ومن أبعد النجعة في كتب القوم عرف، ومن عرف اعترف» .
(1) نظرة في النحو (مجلة المجمع العلمي بدمشق 14: 325 ـ 327) عن «في أصول النحو» 53 ـ 55.