لقد كان من المنهج الحق بالبداهة أن يتقدم الحديث النبوي سائر كلام العرب، من نثر وشعر، في باب الاحتجاج في اللغة والنحو، إذ لا تعهد العربية في تاريخها بعد «القرآن الكريم» بيانا أبلغ من الكلام النبوي، ولا أروع تأثيرا، ولا أفعل في النفس، ولا أصح لفظا، ولا أقوم معنى منه، ولكن ذلك لم يقع كما ينبغي، لانصراف اللغويين والنحويين المتقدمين إلى ثقافة ما يزوّدهم به رواة الأشعار خاصة، انصرافا استغرق جهودهم، فلم يبق فيهم لرواية الحديث ودراسته بقية.
والدقة في البحث العلمي تملي علينا حين نريد الخوض في ظاهرة الاحتجاج بالحديث النبوي أن نجعل رأي اللغويين على حدة، ونتكلم عليه على انفراد، كما نتكلم عن رأي النحويين ـ قديمهم وحديثهم ـ في هذه الظاهرة على انفراد أيضا، لأن اللغويين لا يوجد فيهم من منع الاستشهاد بالحديث في اللغة (1) .
قال الشيخ «أحمد الإسكندري» : «مضت ثمانية قرون والعلماء من أول أبي الأسود الدؤلي إلى ابن مالك لا يحتجون بلفظ الحديث في اللغة إلا الأحاديث المتواترة، وقد اختلف في عددها، فقيل: ثلاثة، وقيل: خمسة، إلى ستة عشر ... » (2) .
(1) نبهت على هذا لأنني رأيت الكثير ممن كتب في هذه الظاهرة لا يميّز بين اللغويين والنحويين، فيستدل برأي اللغويين على النحويين، وبالعكس، علما أن بينهما اتفاقا من وجه، وافتراقا من وجوه، فلا يصح الجمع.
(2) «محاضر الجلسات» 1: 298 ـ 301.
ولأجل إحقاق الحق علينا تبيان بطلان هذا الكلام، لأن الإجماع قائم على صحة الاستشهاد بالحديث في اللغة بين القدامى والمحدثين. وإليك البيان: لو ذهبنا نتصفح كتب اللغة قاطبة لرأينا الأحاديث النبوية منثورة فيها بكثرة مستفيضة، سواء منها المتواتر وغير المتواتر (1) .
فمن اللغويين الذين استشهدوا بالحديث في مسائل اللغة: