محدث لم يرحل إلا القليل، وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه بابا للخروج في طلب العلم [1] ، وذكر الحافظ ابن الصلاح أن المحدث إذا فرغ من السماع عن شيوخ بلده فإن عليه أن يرتحل إلى غيره، وهذا أمر قد اتفق عليه أئمة صناعة الحديث، بل إن عدم الارتحال مما يشان به المحدث، فقد قال يحيى بن معين:"أربعة لا تؤنس منهم رشدا، حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدث، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث" [2] .
وقد تيمن سلفنا الصالح بالرحلة في طلب الحديث، واعتبروها من أسباب دفع البلاء، قال إبراهيم بن أدهم:"إن الله تعالى يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث" [3] .
1 -رحلة أبي أيوب الأنصاري من الحجاز إلى مصر في حديث واحد: عن عطاء ابن أبي رباح قال:"خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر، يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة، فلما قدم منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري- وهو أمير مصر- فأُخبر فعجل عليه، فخرج إليه فعانقه، ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغير عقبة، فابعث من يدلني على منزله قال: فبعث معه"
من يدله على منزل عقبة، فأُخبر عقبة فعجل فخرج إليه فعانقه، فقال: ما جاء بك
يا أبا أيوب؟، قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيرك في ستر المؤمن، قال عقبة: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة"، فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب
(1) صحيح البخاري 1/ 27.
(2) علوم الحديث 223، الرحلة في طلب الحديث 89.
(3) الرحلة في طلب الحديث 90.