لقد تقدم الكلام على ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في طلب العلم وبيانه لمنزلة المعلمين والمتعلمين، وقد خص حديثه بمزيد من الحض على سماعه وحفظه وتبليغه على الوجه الذي سمع عليه، من ذلك قوله:"نضر الله امرءًا سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" [1] ، ممّا جعل الصحابة يتنافسون في ذلك رغبة في الأجر وحرصًا على التفقه في الدين.
كان الصحابيات يستفدن من التوجيه العام للنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وفي المناسبات المختلفة، وما غبن عنه يبلغهن عن طريق أزواجهن وأبنائهن وإخوانهن أو عن طريق أمهات المؤمنين أو عن طريق السؤال المباشر للنبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فقد خصهن النبي صلى الله عليه وسلم بدرس يتناسب مع خصوصياتهن، كما كان يخصهن بموعظة بعد صلاة العيد [2] .
بهذا المنهج التربوي المتميز كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه وسائر المسلمين من بعدهم مما أسهم في حفظ دين الله وحمايته والاستقامة عليه ونشره برغبة وحماسة وإتقان.
لقد كان الصحابة قبل إسلامهم يعيشون في ظلمة ظلماء وجاهلية جهلاء قاسوا منها المتاعب والويلات على مختلف الأصعدة، ولهذا فعندما أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام وما فيه من الحق والعدل والإحسان أدركوا حقيقة هذه النعمة، وقدروها حق قدرها، فتسابقوا في تعلم هذا الدين في جليل الأمور ودقيقها، حتى يصوغوا حياتهم الجديدة عليه. وقد لبّت السنة المطهرة هذا الشغف لدى الصحابة بمادتها الشاملة لكل جوانب الحياة، فشملت تصحيح العقيدة وإحلال التوحيد محل الشرك، فحررت بذلك قلوب الصحابة ونفوسهم وشخصياتهم، وشملت بيان
(1) سنن الترمذي 5/ 33 ح 2656.
(2) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري 1/ 206، 239، مسند أحمد 13/ 85.