وذلك لأنهم حملة الأمانة من بعدهم، من ذلك قول عمرو بن العاص رضي الله عنه:"مالكم قد طرحتم هذه الأُغَيلمة؟ لا تفعلوا أوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه، فإنهم صغار قوم أوشكوا أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم فأنتم اليوم كبار قوم" [1] ، وأوصى عروة بن الزبير بذلك طلابه وبنيه [2] ، وكذا فعل غيره من التابعين.
حرص الصحابة والتابعون على اعتبار مستوى الطلاب عند التحديث، فيحدثونهم بما يناسب مداركهم، ويبينون لهم من الفقه ما يستطيعون فهمه، قال ابن مسعود رضي الله عنه:"ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم" [3] ، وقال أيوب السختياني:"لا تحدثوا الناس بما لا يعلمون فتضروهم" [4] .
كانوا يحرصون على أن يكون حفظة الحديث وطلبته من أهل الاستقامة والجد، ويحذرون من أن يحمله السفهاء وأهل الأهواء فيخدعون به الناس وينزلون به عن
مكانته، ولا يُظن أن في هذا منعا لنشر العلم، وإنما كان منهجهم في ذلك يرمي إلى الحفاظ على السنة وحمايتها، قال الأعمش:"من إضاعة الحديث التحديث به عند غير أهله" [5] ، وقال الزهري:"وهُجْنته (أي الحديث) نشره عند غير أهله" [6] .وكان زائدة بن قدامة لا يحدث أحدا حتى يمتحنه ويسأل عنه، فسئل عن ذلك فقال:"أكره أن يكون العلم عندهم (أي أهل الأهواء) فيصيروا"
(1) شرف أصحاب الحديث 9.
(2) طبقات ابن سعد 2/ 134.
(3) تذكرة الحفاظ 1/ 15.
(4) الجامع لأخلاق الراوى وآداب السامع 129.
(5) المحدث الفاصل 141.
(6) المحدث الفاصل 142.