عيينة عن الرجل يتهم في الحديث، قالوا: بيّنْ أمره للناس" [1] ."
وكانوا يحذرون من مجالسة الكذابين ويرشدون إلى حضور مجالس الثقات، من ذلك أن جعفر بن الزبير الكذاب كان مع عمران بن جدير المحدث الثقة يجلسان للناس في مسجد واحد، فكان الناس يأتون إلى جعفر قبل أن يعرفوا أمره فكان شعبة بن الحجاج يمر بهم ويقول رافعًا صوته: يا عجبا للناس! اجتمعوا على أكذب الناس وتركوا أصدق الناس، فما أتى عليه قليل حتى ترك الناس مجلس جعفر وكثر الزحام على حلقة عمران [2] .
وقال معاذ العنبري:"كتبت إلى شعبة أساله عن أبي شيبة قاضي واسط، فكتب إليّ: لا تكتب عنه" [3] .
تتبع المحدثون أحوال الرواة في جميع أحوالهم، وجمعوا ما فيهم من التعديل أو التجريح، وحددوا شيوخهم وتلاميذهم، وميّزوا مروياتهم حتى عرفوا الحافظ والأحفظ والضابط والأضبط، والمتقن والأتقن، وعرفوا سيء الحفظ، والمغفل والمدلس وكثير الأوهام وفاحش الغلط والمتهم بالكذب والكذاب، عرفوا جميع ذلك بدقة، ونشروا علمه بين طلابهم، ودونوه في مصنفات علم الرجال، فصنفوا في الثقات، وصنفوا في الضعفاء، وصنفوا في الوضاعين ... وحددوا ألفاظًا للجرح والتعديل تعرف بها منازل الرواة.
وكانوا يخصصون أيامًا لبيان أحوال الرواة في مجالسهم، قال أبو زيد الأنصاري:"أتينا شعبة يوم مطر، فقال: ليس هذا يوم حديث، اليوم غيبة، تعالوا نغتاب الكذابين" [4] .
وكانوا لا يحابون في ذلك والدًا ولا ولدًا ولا قريبًا، قال زيد بن أبي أنيسة:
(1) الكفاية 43.
(2) انظر: تهذيب التهذيب 2/ 91.
(3) صحيح مسلم بشرح النووى 1/ 110.
(4) الكفاية 45، وذكر معايب الرواة الحقيقية ليس بغية بل هو واجب لحماية الشريعة، وقد عبر بذلك تجوزا.