فالسنة هي القسم الثاني من الوحي، وهي لذلك مثل القرآن في الحجية
والاعتبار وفي وجوب طاعتها تبعا له ومستقلة عنه، وبدونها يتعذر فهم القرآن، بل تتعذر عبادة الله كما شرع وأمر.
والسنة هي شطر الدين، وأحد الأصلين، ومصدر الإسلام مع القرآن الكريم، تستمد منهما العقيدة الصحيحة، وأحكام العبادات والمعاملات، والأخلاق والآداب والفضائل، والمعارف والعلوم، وتصاغ منهما أسس قوانين الأمة المسلمة في سياساتها الداخلية وعلاقاتها الدولية، وتنبثق عنهما نظم حياتها الاجتماعية والاقتصادية وثقافتها وتربيتها وفكرها وتصوراتها وسلوكياتها حال السلم وحال الحرب، وهما منطلق حضارتها بكل أبعادها ومنهج حياة المسلمين في مختلف نواحيها.
تلك مكانة السنة كما فهمها الأسلاف وطبقوها فسادوا بها ربوع العالم، ونالوا العزة والسؤدد، وسعدوا وأسعدوا غيرهم، وقادوا البشرية نحو الخير والصلاح.
أما اليوم فإن كنوز السنة مدفونة في بطون الكتب تنتظر من يستخرجها ويطبقها، لتستعيد الأمة مجدها وكرامتها ودورها الريادي لهداية البشرية الحائرة.
لقد نص الإمام الشافعي في كتاب الرسالة، ووافقه جماهير أهل العلم، على أن السنة تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث دلالتها على العقائد والأحكام الواردة في القرآن الكريم، وذلك على النحو التالي:
أ- السنة المؤكِّدة:
وهي الدالة على الحكم الشرعي كما يدل عليه القرآن من جميع الوجوه، فهي موافقة له من حيث الإجمال والاختصار والشرح، وذلك لتقرير تلك الأحكام
وتأكيدها، وإشاعتها ونشرها بين المسلمين، ومن أمثلة ذلك:
-قوله صلى الله عليه وسلم:"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم"